فإن كان سبحانه أرسلهم إلى قوم قد منعهم من طاعته، يدعونهم إلى الدخول فيها؛ وقد حال بينهم وبين ذلك، ومنعهم؛ طالباً للحجة عليهم بلا حجة لا زمة بَيِّنة، فهذا أكبر الظلم، وأحول المحال، ليس أحكم الحاكمين يعبث ولا يلغو، ولا يسخر، ولا يستهزيء، ولا خلق الجنة والنار باطلاً، ولا أرسل المرسلين عبثاً، لو كان اللّه سبحانه على ما يقولون، ما أرسل إلى خلقه رسولاً، ولا دعاهم إلى طاعة، ولا دلهم على ما يرضيه مما يسخطه، ولا احتج عليم بالآيات المعجزات، ولا بالبراهين الواضحات، التي عجز عنها جميع الكهنة، والسحرة والفراعنة، وشياطين الإنس والجن، فلم يقدروا أن يأتوا منها بشيء، مثل: التسع آيات(1) التي كانت مع موسى عليه السلام، والمعجزات التي جاء بها غيره من الأنبياء، كل هذا احتجاج من اللّه سبحانه على خلقه، ليطيعوا أنبياءه ورسله، ويجيبوهم إلى خلع الأنداد، والأصنام، والأوثان، والآلهة المعبودة من دونه، ولكن اللّه سبحانه مكنهم وفوضهم، وأرسل إليهم الرسل يدعونهم إلى ما هم قادرون عليه، ويندبونهم إليه، ليخرجوهم بذلك من ظلمة الشرك إلى نور الإسلام. ألا ترى إلى قوله عزَّ وجل: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِيْنَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة: 257]؟ فلولا أن اللّه تبارك وتعالى قد علم أن عباده يقدرون على طاعة رسله ما أرسلهم إليهم، ولا أمرهم بطاعتهم(2)، ولا حثهم على أداء ما جاءوا به من فرائضه، وما دعوا به من اتباع مرضاته، وذلك لما مكنهم اللّه منه، وجعل فيهم من القوة والاستطاعة ليركبوا بها طبقاً عن طبق، تفضلاً منه عليهم، وإحساناً منه إليهم، وإكمالاً للحجة فيهم، وعليهم(3) لئلا يكون
__________
(1) في ب: التسع الآيات.
(2) في ب: بطاعته.
(3) ليس في ب.(2/31)
لأحد على اللّه حجة بعد رسله، وما شرع من فرائضه، وما دعا إليه من طاعته وحذر من معصيته، وذلك قوله: {لِئَلاَّ يَكُوْنَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}[النساء: 165].
ومن أكبر عجائبهم أنهم يزعمون أن اللّه تبارك وتعالى قضى على العباد بالمعاصي قضاء حتماً لا يمكنهم الخروج من ذلك القضاء، وقدره عليهم، وشاءه لهم، ثم زعموا مع هذا القول، أن محمداً صلى الله عليه وآله أُرْسِل إلى الناس كافة، وأن كل ما أمر به أو نهى عنه، من تحليل شيء أو تحريم آخر لله رضى وطاعة، ومراداً ومشيئة؛ إذ رجعوا فأكذبوا أنفسهم، وطعنوا على نبيهم، فزعموا أن جميع ما نهى اللّه عنه قضاء ومراد ومشيئة.
فانظر يا بني ما بين هذين القولين من التناقض والعمى والحيرة، بَيْنا محمد صلى الله عليه وآله يحث على طاعة اللّه والقيام بأمره، والأداء لفرضه إذ صار ينهى عن جميع ذلك.
وانظر إلى ما هو أعجب من هذا، قولهم في إبليس لعنه اللّه يزعمون مرة أنَّه لله عاص، وعليه مفتر، بل(1) قد افترض عليه ذلك في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ومرة يزعمون أن إبليس لله ولي، يدعو إلى قضائه، في معنى قولهم، وما تلزمهم إياه الحجة، وإن كانوا غير مصرحين بولايته لله غير أنهم زعموا أن جميع الفواحش التي يدعوا إليها إبليس شاءها اللّه وأرادها، ومن كان إلى طاعة اللّه ومشيئته ومراده [داعياً] (2) فهو لله ولي مطيع (فَمَرَّة عندهم إبليس مطيع) (3) ومرة عدو مفتر..
__________
(1) في ط: هنا في الأصل: عبارة زائدة هي: قد افترى. وكذلك في ب.
(2) زيادة يقتضيها الكلام.
(3) سقط من ب سهواً.(2/32)
وانظر أيضاً إلى هذا التمييز، وهذه العقول، التي جعلوا بها سبيل محمد وسبيل إبليس سواء، حتى جعلوا الصفة فيهما واحدة متشابهة، كلاهما(1) وهو عندهم يدعو إلى قضاء اللّه وأمره ومراده، ويصدقون محمدا عليه السلام مرة فيما جاء به من القرآن والدعاء إلى الله، وإلى أمره ومراده، ومرة أخرى يكذبون ذلك، ويقولون: إن المعاصي من اللّه، وإن اللّه شاءها وأرادها من العباد، وإنه عليه السلام ينهى عن مشيئة اللّه وإرادته، فإن كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عما ذكروا أن إبليس يدعو إلى ذلك الذي أراده اللّه من العباد(2)، فلا تراه في قياسهم لله عاصياً، ولا عليه مفترياً؛ إذ كان في الدعاء إلى قضاء اللّه مجتهداً، ومن كانت هذه سبيله فهي غير سبيل العاصين، ولا أعرف كما قلنا وعلى قولهم بينه وبين محمد عليه السلام فرقاً في الدعاء إلى قضاء اللّه خاصة؛ إذ كان محمد يدعو إلى بعض قضاء الله، ثم أمر ونهى بزعمهم عن بعض قضاء اللّه وأمره، وكذلك إبليس لعنه اللّه يدعو ـ على قولهم ـ إلى بعض قضاء اللّه وأمره، وينهى عن بعض قضاء اللّه وأمره، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم نهى عما يدعو إليه إبليس من هذا القضاء، وإبليس لعنه اللّه يدعو إلى ما ينهى عنه محمد وكلاهما عدو الآخر.
فيا سبحان الله!! ماذا بينهما من التباعد! وما أشد اختلافهما، وأبين تناقض أمرهما عند أهل المعرفة والعقل، وأخبث قولهم هذا الذي قالوا به.
__________
(1) كذا.
(2) كذا في النسخ.(2/33)
ومن الحجة عليهم أيضاً التي لا يجدون لها نقضاً، ولا بد لهم عندها من أن يكذبوا أنفسهم وقولهم، أو يلزموا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم المعصية والتعدي فيما أمره اللّه به، يقال لهم: أخبرونا عن محمد عليه السلام، حين أمره اللّه بدعاء الناس كافة إلى عبادته، والعمل بفرائضه، فوجدهم صلى الله عليه وآله وسلم على ما كانوا عليه وبه عاملين من عبادة النار والحجارة والأصنام والأنداد، وأكل الربا، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل الأطفال، وسفك الدم الحرام، والقول أن اللّه ثالث ثلاثة، وأن له ولداً وصاحبة، وأنه بخيل، وأن يده مغلولة، وما أشبه هذا (1) من الفواحش، أَمَرَهُم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلزوم ذلك، وحثهم على العمل به، والاجتهاد فيه، وأمر أيضاً من وجده يعبد اللّه وحده، ويقول: إنَّه ليس معه شريك، ولا له شبيه، ويسجد له من دون المعبودات كلها، ويحرم الزنى والربا، وأكل مال اليتيم، وقتل الطفل، ويأمر بخلع المعبودات كلها من دون الله، أمرهم بلزوم ما هم عليه، وحثهم على أدائه، لم يغير على أحد من العالمين شيئاً، ولم ينههم عن شيء، ولم يأمرهم بشيء غير الاجتهاد فيما (2) هم فيه؟ فقد صدق (3) من زعم أن جميع الأشياء من الله، وله رضا وقضاء، وأمر ومشيئة، وإن كان صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن شيء مما ذكرنا من العملين، وميز بين المنزلتين، وسمى أحدهما طاعة، ووعد من عمل بها الجنة، وسمي المنزلة الأخرى معصية، وتوعد(4) من عمل بها النار، فقد كذب من زعم أن كل شيء مراد لله وقضاء (5) فإن أحبوا فيكذبوا أنفسهم، للزوم الحجة لهم، وأن أحبوا أن يقولوا: إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عاصٍ، متعدٍ عليه، ناهٍ عن قضائه
__________
(1) في ب: هذا القول.
(2) في ط: في الأصل: فيها هم كذا. وفي (ب): فنهاهم، وما أثبت على الظن.
(3) في ط: في الأصل: فصدق.
(4) في ب: وتواعد.
(5) في ط: مراد اللّه وقضاؤه، وفي هامشه: في الأصل: قضا.(2/34)
وأمره، وأن اللّه تبارك وتعالى لم يأمرهم بتحريم شيء مما حرم، وأن جميع ما حرم أحل(1) منه بالتكليف(2) منه لا من الله، نقض من قال هذا كتاب اللّه عزَّ وجل؛ إذ يقول له صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}[ص: 86] {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ}[الأنعام: 50، يونس: 15، الأحقاف: 9] وهذه الصفة والقول لا يجوزان في محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا له.
__________
(1) كذا في النسخ ولعلها: أو أحل.
(2) كذا في النسخ ولعلها: بالتكلف.(2/35)