ألا ترى كيف يخبر عن تمكينه لعباده وتخييره لهم، وعن تَخَيُّره لهم، وعن الاستطاعة والقدرة التي مكنهم بها من العمل للطاعة والمعصية؟ فقال: {وَلَو أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيْمِ}[المائدة: 65]. ثم قال: {وَلَو أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّورَاةَ وَالإِنْجِيْلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةً مُقْتَصِدَةً}[المائدة: 66]. ثم قال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[الأعراف: 69].
فانظر إلى قوله: {وَلَو أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ}، {وَلَو أَنَّ أَهْلَ القُرَى}، {وَلَو أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيْلَ}، {وَلَو أَنَّهُمْ فَعَلُوا}. وهذا في القرآن كثير يدل عند أهل اللغة والمعرفة والنصفة(1) على أنهم مُمكَّنون مفوضون قادرون على ما أمروا به من العمل به، والترك لما نهوا عنه، وكثير مما في كتاب اللّه عزَّ وجل يشهد لنا بما قلنا، كرهنا بذكره التطويل عليك.
فميز يا بني علمك اللّه ما قد شرحت لك من هذا القول، وتدبر ما حكيت لك من قول الكذابين على اللّه يَبِنْ لك الصدق، وتعلم الحق؛ لأنَّه واضح مبين، لا يخفى على أهل المعرفة والعقل؛ لأن العقل أكبر حجج اللّه سبحانه على عباده، ولذلك لم يخاطب إلاَّ ذوي الألباب والعقول، وإياهم قصد بالأمر والفرض والنهي، وأسقط جميع ذلك عن المجانين والصبيان الذين لا عقول لهم. فسبحان البر الرحيم بعباده المتفضل عليهم بالإحسان، الدال لهم على الإيمان، المبتدي لهم بالنعمة قبل استحقاقها، المعافي لهم من النِّقَم بعد وجوبها.
__________
(1) أي العدل والإنصاف.(2/26)
واعلم يا بني أن جميع من قص اللّه عليك(1) نبأه في كتابه من المخاطبين الأنبياء عليهم السلام فمن دونهم مقرون بالذنوب، معترفون بها، مستغفرون اللّه سبحانه من جميع ذلك، وفي أقل مما ذكرت أكثر الحجج، وأبلغ الكلام، وأجمل الموعظة، وأحسن الهداية عند من عقل وأنصف.
[العقل يشهد لأهل العدل]
ومن أكبر الحجج عليه ما يصح ويثبت عند أهل النُّهَى أنهم زعموا أن جميع ما في الأرض من خير أو شر، اللّه قضاه وأراده، وشاءه وقدره، وفي الأرض من يقول: إن اللّه ثالث ثلاثة، وإن له سبحانه ولداً وصاحبة، ومنهم من يقول: إنَّه لا رب ولا خالق، وإن الأشياء لم تزل كذا ليل ونهار، وشمس وقمر، وسماء وأرض، ومطر وصحو، وموت وحياة، ومن ينكح أمَّه، وابنته، وأخته، وعمته وكل ذي رحم مُحَرَّم عليه، ويأتي كل قبيح من الفعل رديء، ويغشى الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ويقول: أن ذلك من ا لله، ومن قضائه وإرادته ومشيئته، وأن كل عامل عمل منه شيئاً فبأمر اللّه ورضاه وإرادته.
__________
(1) في ب: قضى اللّه عليه. ولعله تصحيف.(2/27)
فيا سبحان الله!! ما أعجب هذا من قول وأشنعه، وأحمق من زعم أن أحداً مَّا يعمل شيئاً مما ذكرنا للّه عاص، وما أجهل من ذكر المعصية، كيف تكون المعصية(1) عندهم، ومن صلى ومن زنا كلاهما مطيع لله؟! قضى لهذا بالصلاة، وقضى على هذا بالزنا، فكل من عمل شيئاً من الأشياء حسناً كان أو قبيحاً، وإيمانا أو كفراً، أو غيرهما من الأشياء كلها، ففاعل ذلك الشيء مؤد لأمر الله وقضائه، مستعمل نفسه في أداء مشيئته وإرادته، فليس على وجه الأرض عاص، ولا تعرف المعصية من الطاعة، ولا يعرف من يقع عليه اسم الطاعة، ولا اسم المعصية، ولا من يستحقه، وكيف يكون من سعى في إرادة اللّه عاصياً؟! لا يعرف هذا الكلام في شيء من لغة العرب، ولا العجم، وقد حد اللّه اسم (2) المعصية التي ذكرها اللّه في كتابه، وسمى قوماً عصاة، وسمى من عمل به عاصياً، وبطل(3) كل ما جاء في الكتاب من ذكر ذلك، على قولهم وقياسهم. وكل ما جاء لغير معنى، إلاَّ أن تكون المعصية غير هذه الأشياء كلها التي نعرفها ونعقلها مكنونة عند اللّه، لم يبينها لنا ولم يشرحها، ولم يدلنا عليها، غير أنه قد حذرنا العصيان ولم يعرِّفناه، وعرفناه(4) وعرَّفنا الإحسان والطاعة وحدها(5)، فنحن للعصيان منكرون(6)؛ إذ كان أكبر الفواحش التي عددنا، وهي عند أهل القبلة أشد الكفر، وقد سموها جميعاً كبائر من العصيان والذنوب، وزعم هؤلاء أن اللّه شاءها، وأمر بها وأرادها، فما كان سواها وسوى ما سموا كبائر فأمره أقرب وهو
__________
(1) في ب: يكون المعنى.
(2) في ب: ولا اسم المعصية، وهو عطف على: لايعرف.
(3) كذا في النسخ.
(4) كذا في النسخ، ولعلهما نسختان: ولم يعرفناه، وعرفَنَاه، وكلاهما مستقيم أما: ولم يعرفناه فعلى جهة الإلزام يعني أنه يحذرنا شيئاً لم يعرفناه وهذا لايليق به. وأما: وعرفناه فواضح، وهو تعقيب على دعوى أن المعاصي مكنونة لم نعرفها. والله أعلم.
(5) في ب: وحدهما.
(6) منكرون يعني غير عارفين به.(2/28)
أهون، ولا يرى معصية ولا عاصياً؛ إذ كان ما كان مضاداً لما ذكرنا من الصلاة، والصيام، والحج، والإيمان، وجميع أعمال البر، اللّه شاءها، وقضاها وأمر بها(1)، فلا ترى بين المنزلتين(2) فرقاً، ولا عنهما تأخراً، كلاهما فرض، وكل من عمل شيئاً من الفعلين فهو لله مطيع، والله بفعله راض، وليس على وجه الأرض لله عاص، كلا الفريقين مجتهد في أداء ما فرض(3) اللّه عليه.
فلا بد لمن قال بهذه المقالة أن يبين المعصية أين هي؟ وإلا فهو مبطل، مفترٍ على اللّه أقبح الكذب. فنبرأ إلى اللّه من هذه المقالة، وممن قال على الله بها. فبالله(4) إن الأمر لواضح، وإن الشبهة في هذه المعرفة لبينة. وفقنا اللّه وإياك لأجمل الأقاويل وأحسنها، وأليقها بالله؛ لأن اللّه سبحانه يقول: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}[الأعراف: 180]، فالله أحق بكل اسم حسن، وأبعد من كل اسم قبيح؛ من هؤلاء (5) الخلق الذين(6) يقولون عليه بهذا القول، الذي يُبَرئون أنفسهم منه، ويزعمون أنَّه لو كان منهم كان أكبر الظلم.
__________
(1) يعني إذا كانت كبائر العصيان التي هي أضداد للطاعات مقضية مرادة لله كالطاعات لم يكن فرق بينهما ولم يكن احدهما بأولى باسم الطاعة من الآخر إذ هما سيان في الإرادة والقضاء.
(2) في ب: المؤمنين. وهي غلط.
(3) في ب: ما افترض.
(4) في ب: فيا لِله.
(5) في ط: في الأصل: هذا، وكذلك في (ب).
(6) في ط: في الأصل: الذي، وكذلك في (ب).(2/29)
وزعم هؤلاء القوم أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بعثه اللّه ومن قبله من الأنبياء عليهم السلام يدعون عباد اللّه إلى عبادة الله، ولعمري إن ذلك كذلك، قال اللّه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}[الأعراف: 158]، وقال موسى وهارون عليهما السلام لفرعون لعنه الله: {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ}[طه: 47]، وقال: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}[الصافات: 147]، معناها: ويزيدون؛ لأن اللّه سبحانه لا تخفى عليه خافية، ولا تعروه سنة، ولا يدخل شك(1). وهذا في أشعار العرب كثير، قال الشاعر:
فلو كان البكاء يرد مَيْتاً…بكيت على عمير أو عقاق
ثم قال مبيناً أنَّه يبكي عليهما جميعاً في البيت الثاني:
على المَرئَيْن إذ هلكا جميعاً… لشأنهما بحزن واحتراق
فأقام (أو) مقام (الواو). وكذلك قال عزَّ وجل: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}[يس: 14]، فإذا كان الأمر على ما قال هؤلاء الظالمون: أن اللّه تبارك وتعالى قضى على قوم بالمعصية، لا يقدرون يعملون غيرها، ولا يخرجون منها إلى شيء من الطاعة، ولا من أعمال البر، وقضى على آخرين بالطاعة له، وبالعمل بما يرضيه، لا يقدرون يخرجون من الطاعة إلى العمل بشيء من المعصية، ممنوعاً من ذلك الفريقان، وكان [كل](2) مستعملاً فيما حتم في رقبته، وقضى عليه، لا يطيق الخروج منه إلى غيره، فإلى من أرسل اللّه الأنبياء والمرسلين؟ وإلى من دعوا؟ ومن خاطبوا؟ وعلى من احتجوا؟ أم من تبعهم (3) وأطاعهم؟ أم ما كانت حاجة العباد إليهم؟ أم ماكان المعنى عند اللّه سبحانه في إرسالهم؟ أتراه أرسلهم عبثاً أم سخرياً؟ أم بيانا وتوكيداً للحجة على العباد وتوقيفاً؟
__________
(1) كذا في النسخ ولعلها: يدخله.
(2) زيادة لاستقامة الكلام.
(3) في ط: تعثهم، وهو تصحيف.(2/30)