وَبَشِّرِ الصَّابِرِيْنَ * الَّذِيْنَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيْبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُوْنَ}[البقرة: 155 ـ 157] فقال سبحانه: {أصابتهم مصيبة} وإنما عنى بها ما ذكرناه] (1) ولم يقل(2): الذين إذا أصابهم الإيمان والكفر فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون، فبهذا علمنا أن المعنى هو ما ذكرنا من محن الدنيا وآفاتها، ولو كان على ما تأوله الجاهلون ما سُمِّي مصيبة، ولا أمرهم بالصبر عليه للعلة التي شرحت لك. كيف يجوز أن يأمرهم بالصبر على الكفر ويبشرهم بالثواب؟! هذا أحول المحال.
* واحتجوا أيضاً بقوله: {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30، التكوير: 29]، فصدق اللّه، لولا أنَّه يشاء لهم التعريف بالإيمان والكفر، ودلهم على ما عرفوه؛ فعرفهم به، وأرسل إليهم المرسلين وحضهم على اتباعهم؛ ما عرفوا الإيمان من الكفر، والرضى من السخط. ثم قال في ذلك: {يُرِيْدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوْبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 26]، فهذه إرادة اللّه ومشيئته في خلقه، لا ما قال به الجاهلون.
__________
(1) ما بين المعقوفين زيادة لاستقامة الكلام.
(2) كذا.(2/1)


* ومما احتجوا به أيضاً: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيْدٌ}[هود: 105]، فتأولوا ذلك على أحكم الحاكمين بأقبح التأويل، ولعمري لو نظروا ما في الآية من قبل هذا الكلام لأسفر لهم الأمر ولعرفوه، ألا ترى كيف يقول سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِي لاَ تُكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيْدٌ} [هود: 105]؟ يخبر عزَّ وجل ذكره أن ذلك الشقاء والسعادة إنما تكون في ذلك اليوم ـ يعني يوم القيامة ـ لا أيام الدنيا، ولعمري إن يوم القيامة؛ ليوم التغابن والحسرة والندامة، فمنهم ذلك اليوم شقي وسعيد، شقي قد شقي بعمله، وبما وقع عليه من حكم اللّه له بالعذاب، وسعيد قد سعد في ذلك اليوم بعمله، وبماحكم اللّه له به من الثواب. والشقي أشقى الأشقياء من شقي في ذلك اليوم، والسعيد أسعد السعداء من سعد في ذلك اليوم. وإنما أخبر اللّه سبحانه عن شقائهم وسعادتهم في ذلك اليوم لا في الدنيا، ألا ترى كيف يقول: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوْعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُوْدٌ} [هود: 103]؟ يعني يوم القيامة، ولو كان الأمر على ما ظنوا، لكانت المخاطبة عند أهل اللسان والمعرفة على غير هذا اللفظ، وكان اسم الشقاء والسعادة قد انتظمهم قبل ذلك اليوم، وكانوا مستغنين عن إرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ولم يكن لله سبحانه عليهم حجة؛ إذ كان المشقي لبعض، والمسعد لبعض، والمدخل لأهل الشقاء في المعصية، ولأهل السعادة في الطاعة. وهذا أقبح ما نسب إلى الله، وقيل به فيه. فنعوذ بالله من الضلالة والعمى، ونسأله الرشد والهدى.(2/2)


* ومما يحتجون به أيضاً قول اللّه سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِيْنَ} [السجدة: 13]، يقول: بفعلهم وعملهم حق عليهم قولي، وثبتت عليهم حجتي، ووقع بهم العذاب؛ لأن قولي وحكمي بالعذاب قد سبق على من عصاني. ثم قال: {فَذُوْقُوْا بِمَا نَسِيْتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِيْنَاكُمْ وَذُوْقُوْا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ} [السجدة: 14]، فصدق اللّه عزَّ وجل، لو شاء أن يهديهم جميعاً من جهة الجبر لهم لفعله ولم يغلبه ذلك، ولكن لم يشأه سبحانه إلاَّ بالتخيير منهم والاختيار؛ لأنَّه لو جبرهم على ذلك، وأدخلهم فيه غصباً؛ كان المستوجب للثواب دونهم، ألا ترى إلى قوله في آخر الآية، متبرئاً من فعلهم: {وَذُوْقُوْا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ}؟ ولم يقل: بمشيئتي لكم. ولا: بقضائي عليكم. ولا: بإرادتي فيكم. ولا: بإدخالي لكم في القبيح من الفعل.
فافهم، وفقك اللّه ما شرحت لك.
والنسيان من اللّه؛ فهو: الترك لهم والإمهال، تقول العرب: نسيت الشيء ونسأته، أي تركته ولم أفعله.
* ومما يحتجون(1) به أيضاً قول اللّه سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيْعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُوْنُوْا مُؤْمِنِيْنَ} [يونس: 99]، فصدق اللّه، لو شاء ذلك لأمكنه أن يكرههم على الإيمان، إن شاؤا أو أبوا، ولم يكن ذلك بغالب له ولا ما هو أعظم منه؛ إذ كان ذلك معجزاً وغالباً لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يقدر على ذلك منهم، ولا يمكنه فيهم. فأخبر اللّه سبحانه أن ما لا يقدر عليه لو أراده هو من جهة الجبر والإكراه لأمكنه، ولكنه لم يرد إلاَّ من جهة التخيير منهم والاختيار والرغبة لما استوجبوا بذلك الفعل بثوابه وعقابه؟
__________
(1) في ب: ومما احتجوا به.(2/3)


فافهم ذلك وميّزه إن شاء الله.
* ومما يحتجون به قول اللّه سبحانه: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]، فصدق اللّه عزَّ وجل في قوله، غير أنهم لم يفهموا التأويل؛ لأنَّه يقول سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُوْنَ فِي العِلْمِ} [آل عمران: 7]، وليسوا من أولئك. وإنما أراد اللّه عزَّ وجل أن ينقض على الكفار قولهم؛ لأنَّه إنما كان الكفار إذا أصابهم مما يحبون (1) من جميع الخير، مثل الخصب، وزكاء الزرع، وكثرة النسل، ابتداءً لهم من اللّه بالإحسان والمن، وتوكيداً للحجة عليهم والإنعام؛ قالوا: هذا من عند اللّه وإذا أخذهم اللّه بشيء من فعلهم وخبث نياتهم وعظيم جرمهم وإكذابهم لمحمد صلى الله عليه وآله، ولما جاءهم به، وابتلاهم (الله)(2) بنقص الخصب، وقلة المطر، والزرع، والنسل، قالوا: شؤم محمد ومن معه، فأخبر اللّه سبحانه أن هذه الزيادة والنقصان في جميع ما ذكرناه من الله، فقال: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}، ثم شرح ذلك فقال مبيناً للخير: {فَمَا لِهَؤُلاَءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُوْنَ يَفْقَهُوْنَ حَدِيْثاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 78 ـ 79]، يقول: ثواب من الله سبحانه لكم على ما كان من الطاعة، وخزي وعقاب منه سبحانه لكم على ما كان من أنفسكم من المعصية، والعمل القبيح، وترك الإئتمار لأمره، فيقول: ما أصابكم من الزيادة فيه والصلاح، فمن نعم اللّه عليكم، وبفضله وإحسانه إليكم، وما أصابكم من نقصان ذلك وفساده فمن قبيح أعمالكم، وسوء نياتكم، وإصراركم على المعاصي، وإنما دخل عليكم من أنفسكم لَمَّا فعلتم ما فعلتم؛ حتى وجبت الشنآة عليكم بذلك الفعل من اللّه سبحانه. وهذا تفسير ما جهلوا من ذلك.
__________
(1) في ب: ما يحبون.
(2) ليس في ب.(2/4)


* ومما يحتجون به أيضاً، قول نوح عليه السلام لقومه عندما جادلهم في اللّه فأكثر، فقالوا: {يَا نُوْحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِيْنَ} [هود: 32] فقال نوح عليه السلام: {إِنَّمَا يَأْتِيْكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِيْنَ وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيْدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وِإِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ} [هود: 33 ـ 34]، يقول لهم صلى الله عليه: إن جدالي ونصحي لا ينفعكم؛ إذا جاءكم عذاب ربكم ونزل بكم؛ لأنَّه لا يرد عذاب اللّه سبحانه إذا نزل بقوم، وهي سنته في الذين خلوا، لا يقبل توبتهم إذا نزل العذاب بهم، وكذلك إذا أراد اللّه أن يغويكم، فالإغواء من اللّه العذاب، فيقول: لا ينفعكم نصحي إذا نزل بكم إغواء اللّه وهو عذابه، كما قال عزَّ وجل في موضع آخر: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوْا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوْا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} [مريم: 59]، ولم يرد نوح عليه السلام بالإغواء ما تأوله الجاهلون من الضلال (1) لهم، وإمدادهم بالغي، والتمادي والكفر(2)، وإنما أراد بالإغواء العذاب النازل. ثم كذلك الإغواء في جميع ألسن العرب: لقيت غياً، أي عذاباً وتعَباً (3)، ولقي فلان غياً، كل هذا تحذير لهم لنزول العذاب بهم، وأنه لا تنفعهم نصيحة(4) إذا نزل العذاب بهم، لم (5) يصرف عنهم. كذلك قال اللّه سبحانه: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيْمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِيْ عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُوْنَ}[غافر: 85].
__________
(1) كذا في النسخ، ولعلها: الإضلال.
(2) كذا ولعلها: في الكفر.
(3) في ط: وبغياً.
(4) في ب: لا ينفعهم نصحه.
(5) كذا في النسخ.(2/5)

101 / 209
ع
En
A+
A-