يقول سبحانه: أن يقتله إلا زلة وغلطا، فإما وهو يثبته مؤمنا، ويعرفه بالله موقنا، فليس له أن يقتله وإن قتله أيضا مخطيا، وكان في إيمانه بالله ممتريا، إذ كان من قوم عدو للمؤمنين، ولم يكن عند من قتله من المعاهدين، كان عليه فيه تحرير رقبة مؤمنة، ولم يكن عليه ما كان عليه في الأول من الدية، وإن كان من قوم بينهم وبين المؤمنين ميثاق والميثاق هو الذمة والموادعة والهدنة، كان على قاتله فيه تحرير رقبة مؤمنة، وإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فأي ذلك فعل فهو من الله عليه توبة، ومعنى توبة الله عليه من الله عائدة ورحمة، ولا يُقتل - رحمك الله - مِلِّي، بمعاهد ولا ذمي، وإن كان الملي قتله عمدا، إلا أن يكون بقتله في أرضه مفسدا، فيقتل إن رأى ذلك الإمام بفساده، وتمرده في أرض الله وعناده، لقول الله سبحانه: ? من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ? [المائدة: 32]، فأحل الله سبحانه من قتل الأنفس بالفساد، ما أحل من قتلها بالقصاص بين العباد.
99- وسألته: عن المحاربة لله ولرسوله والسعي بالفساد في الأرض ؟
ومعنى ما ذكر الله في الآية من المحاربة والفساد، وما أمر به فيه من التقتيل والصلب والقطع أو النفي من البلاد، فهو الإجلاب والجيئة والذهاب، والاستدعاء على الحق والمحقين، والمخالفة على الارباب المتقين، والتحيل والحشد للمبطلين إليهم، والقول بالزور والبهتان عليهم، في سفك دمائهم، والتماس ضرائهم، ومجاهدة أولياء الله فيهم بالمحاربة، وإجماعهم عليهم بالأذى والمناصبة، فمن بلغ هذا من المبطلين وصار إليه، كان حكم الله جل ثناؤه عليه، وجزاؤه على ما هو من ذلك فيه، أن يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفى من الأرض والبلاد، التي سعى فيها على الله ورسوله والمحقين بما ذكره الله من الفساد.(2/504)
وليس ما في أيدي هذه العامة من تفسير هذه الآية المحكمة عن ابن شهاب الزهري وأضرابه، ولا من كان من لفيفه وأصحابه، الذين كانوا لا يعدلون بطاعة بني أمية، وما أشركوهم فيه من دنياهم الدنية، فلم ينالوا مع ما سلم لهم منها، ما حاطوا به ودفعوا به عنها، من تلبيس لتنزيل، أو تحريف لتأويل، وابن شهاب لما كان كثرة وفادته إليهم معروف، وبما كان له من كثرة الضياع وكثرة الغلة بهم موصوف.
وقلت: ? ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ? [المائدة: 44] ما تأويلها ؟
وتأويلها - استَمتِعُ الله بك وبنعمته عندك - هو تنزيلها، وذلك أن من حكم بأحكام التنزيل بخلاف حكمه، فهو غير شك من الكافرين به، لأن من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله بعد الإحاطة بعلمه، فهو من الكافرين بالله في حكمه، لأنه منكر من حكم الله فيه لما أنكر، ومن أنكر من أحكام الله [و] تنزيله حكما فقد كفر، ولله أحكام هي ليس في تنزيل، في تحريم من الله وتحليل، ولكنها من أحكام التأويل، حكم بتنفيذها والحكم بها، فمن لم ينفذها ويقم إذا أمكنه تنفيذها، فهو من الظالمين، وفي تعطيلها من الفاسقين.
100- وسألته: عن: ? وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ? [الأنعام: 8] ؟
وكانوا يقولون لو لا أنزل عليه فيكون معه فيشهد له من رسالته بما ينكرون، فقال الله سبحانه: ? ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر - فيهم بأخذهم - ثم لا ينظرون ? [الأنعام:8]، يقول تبارك وتعالى: ثم لا يتركون ساعة ولا يؤخرون، فما ينفعهم إذا أُخذوا إيمانهم، بعد رؤيتهم للعذاب وعيانهم.(2/505)
ثم قال سبحانه: ? ولو أنزلنا ملكا ? ما أيقنوه، إلا أن يروه رؤية ويعاينوه، وما كانوا ليروه عيانا، إلا أن يجعله الله مثلهم إنسانا، في الصورة والحلية، وما للرجال من الهيئة، لا في جميع حدود البشرية، ولكنه في المنظر والرؤية، فقال سبحانه: ? ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ?[الأنعام: 9]، يقول سبحانه ولو فعلنا ذلك به فجعلناه رجلا كما يعرفون، لزادهم ذلك لبسا إلى لبسهم، ولما أيقنوا أنه ملك في أنفسهم، ولو نزلنا عليه الملك على حاله ملكا، لما كان أحد منهم معاينا له ولا مدركا، إلا أن يأتيهم من الصورة وهيئتها في مثل لباسهم منها، فيرونه ويدركونه بمثل دركهم [و] رؤيتهم لها، وإلا لم يروه ولم يعاينوه أبدا، وكيف يرون من كان من الملائكة ولم يروا قط من الجن أحدا، والجن في احتجابها عنهم أقرب إليهم قربا، والملائكة أبعد عنهم مكانا ومحتجبا.
وليس يعاين أبدا من الملائكة الحضَرَة، إلا عند الموت الذي ليس بعده تأخير ولا نَظِرة، حين يُكشف عن المحظور الغطاء، ويزول عنه الأخذ والإعطاء، فيرى من الحضرة ما لم ير، ويحدث الله له عند المعاينة لهم بصرا، فيعاينهم عند الموت وفي غمراته، وعندما وقع فيه من غصصه وسكراته، كما قال الله سبحانه: ? وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ? [ق:19]، وقد قال في الموت وما بعده من البعث: ? لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ? [ق:22]، وكما قال سبحانه: ? ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ? [الأنعام:93]، فالملائكة هم الذين يبسطون أيديهم ويقولون: ? أخر جوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ? [الأنعام:93].(2/506)
وقلت: أرأيت لو جعل الله الملك رجلا، ومن كانت الرسل تراه من الملائكة قِبَلا، أهم في تلك الحال والهيئة والصورة ملائكة أم رجال ؟ بل هم في تلك ملائكة وإن انصرفت بهم الهيئة والأحوال، ألا ترى أن الذهب والنحاس، وإن لم يكونا هم الناس، فقد يصنع منهما صور وهيئات، ويحدث فيها تماثيل مختلفات، والذهب وإن اختلفت هيئاته ذهبٌ على حاله، وكذلك النحاس وإن كثرت فيه الصور فهو نحاس على حاله، لم ينقل واحد منهما عن خليقته وذاته، ما نقل عنه من متقدم صورته وهيئاته، وإنما تبدو الملائكة إذا بدت بأمر الله وإرادته إلى البشر، بما جعل الله لها وأحدث فيها من الهيئات والصور، لا البشر بما لا يدركون ولا يرون، من الصور والهيئات إلا ما يبصرون، فجعل الله من الملائكة رسلا، وجعل من شاء منهم كما شاء إن شاء رجلا.
وقال في ذلك [ تبارك ] وتعالى: ? الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ? [فاطر:1]، فالتبديل للخلق والزيادة، ليست إبادة، وكذلك مَن مسخه الله تبارك وتعالى قردا أو خنزيرا، فإنما أحدث له عن هيئته وصورته تبديلا وتغييرا، فبدَّل هيئته وصورته، وأقر نفسه وذاته، ولو كان المسخ للممسوخ إبادة وافناء، لكان ذلك فطرة وإنشاء وابتداء، ولم يقل تغيير ولا مسخ ولا تبديل، ولم يصح بذلك - إذا لم تكن الذات موجودة - خبر ولا قيل.
101- وسألته: [عن]: ? ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ? [الأنعام:110] ؟
فتقليب أفئدتهم وأبصارهم تضليله إياهم فيما يعملون، وتركه تبارك وتعالى فيما هم فيه من ضلالهم يعمهون، والتضليل من الله لهم، فإنما هو بعملهم، وسواء في المعنى أضلهم وضللهم، كما سواء أَكْفَرَهم وكفَّرهم، ألا ترى أن من أضللت فقد ضللته، ومن أكفرت فقد كفرته.(2/507)
102- وسألته: عن معنى: ? وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ? [الأنعام:121] ؟
ومعنى إيحاء الشياطين، هو إلقاء الشياطين للمجادلة للمؤمنين، والشياطين كما قال الله سبحانه فقد تكون من الجن والإنس، وما يُلقون إلى أوليائهم من المجادلة من زخرف القول واللبس، كما قال الله سبحانه: ? شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ?[الأنعام:112]، يريد سبحانه بقوله: ? فذرهم وما يفترون ? من الخزي بزخرف القول وغروره وما يقولون، فسيعلمون من بعد ما هم فيه من دنياهم إلى أي منقلب ينقلبون.
103- وسألته: عن تأويل: ? من يرد الله أن يهديه يشرح صدره ? [الأنعام:125] ؟
فتأويلها رحمك الله من يرد الله أن يرشده فيزيده هدى على هدى، لأنه لا يعطي الهداية إلا من اهتدى، كما قال تبارك وتعالى في زيادته لهم هدى إلى هداهم: ? والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ? [محمد:17]، والتقوى فمن الهدى، وآتا، فمعناها: وأعطا، فهو آتاهم التقوى بتبصرته وتقويته لهم على ما عملوا منها، وبمنعه لهم تبارك وتعالى من الضلالة ونهيه لهم عنها، وليس بين الضلال والهدى منزلة، هادية لأهلها ولا مضلة، فمن يرد الله أن يهديه بعد الهدى، يشرح يريد: يفتح صدره للتقوى، ومن يرد أن يضله الضلالة والعمى، يجعل صدره بما اتبع من الضلالة والهوى، ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء، كذلك يفعل الله بأهل الضلالة والاعتداء.
104- وسألته: عن قول الله سبحانه: ? إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ? [الأعراف:155] ما هذه الفتنة ؟
وهي الابتلاء من الله والاختبار والمحنة، وإضلاله وهداه بها، فهو عنها وبسببها، و ?ويضل من يشاء ويهدي من يشاء ? [النحل:93، فاطر:8]، هو إضلاله إن ضل وهدايته لمن اهتدى، ومن ضلَّ ضلَّلَه، ومن اهتدى كان مهتديا عنده، وزاده تبارك وتعالى في هداه، وآتاه كما قال سبحانه تقواه.(2/508)