فَلِخَلقِ الله تبارك وتعالى لما شاء، فرَّق بين ما خلق من الذكور والإناث وأنشأ، فوهب لمن يشاء إناثا ووهب لمن شاء ذكورا، وجعل كلا على حياله خلقاً مفطورا، غيرَ مُشبهٍ بعضه لبعض، كما السماء غير مشبهة للأرض، ووهب لمن شاء ذكوراً وإناثاً معاً، فجمع ذلك له بموهبته فيه جميعاً، وجعل من شاء من الرجال والنساء عقيما لا يلد ولداً، ولا يكون منه ولد أبداً، إلا بعد تبديله الإعقام وتغييره، وبحادث يحدثه في ذلك من صنعه وتدبيره، كما فعل سبحانه في امرأة زكريا، وما وهب لهما من يحيى، صلى الله عليهما وعليه، وما منَّ به عليهما من ذلك وفيه. وما وهب لإبراهيم صلى الله عليه من الولد بعد يأسه منه، وكبره صلى الله عليه عنه، وفي ذلك ما يقول عليه السلام ذِكراً، وحمداً وشكراً، بما وهب له تبارك وتعالى، في ذلك من الموهبة والنعماء: ? الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء ? [إبراهيم: 37].
وفي محآجة الملك، بالمكابرة والإفك، لإبراهيم خليل الله، إذ يقول عليه صلوات الله: ? ربي الذي يحيي ويميت ـ فقال الملك بالمكابرة والكذب ـ: أنا أحيي وأميت ? [البقرة: 258]. وإنما قال إبراهيم عليه السلام من ذلك صدقا، ونطق به في محآجته للملك بما نطق حقاً، لا شك فيه ولا مرية، ولا شبهة ولا ظلمة مُعشية، لأنه لمَّا وجدت الحياة يقيناً والموت، وُجِدَ بوجودها اضطرارا المحيي المميت. ولما لم يجد الملك - صاغرا لليقين بهما والاضطرار - سبيلاً لنفسه بحدثهما إلا المكابرة فيهما والإنكار، كَابَرَ لداداً، ومباهتة وجحاداً، فقال: ? أنا أحيي وأميت ?. وكيف يكون محيياً أو مميتاً، من لا يملك لنفسه حياةً ولا موتاً ؟!(1/86)


وفي مثل ذلك، ومن كان كذلك، ما يقول الله سبحانه: ? واتخذوا من دونه آلهةً ? [الفرقان:3]. وفيما اتخذوا من تلك الآلهة الملائكة المقربون، وعيسى بن مريم عليه السلام وما كان من آلهتهم يعبدون، فقال تعالى: ? آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ? [الفرقان: 3 – 4]. فلما كابر الملكُ إبراهيمَ عليه السلام من قوله بما كابره به مباهتة وإفكاً وزورا، فقال صلوات الله عليه ورضوانه: ? فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ? [البقرة:258].
وتأويل بُهتَ هو: صمت وسكت عن الإفك والمباهتة والجحود، إذ قرره صلى الله عليه بأمرٍ معاين موجود، لا ينكره إلا بمكابرة فاحشةٍ عقلُ الملك ولا عقل غيره، لما فيه من بَيِّن أثر تدبير الله وتقديره، من تدليل الِملك والتسخير، من دؤوب التحرك والمسير، جيئة وذهوباً، وطلعة وغروباً، فهي طالعة وغائبة لا تقصر، وجائية وذاهبة لا تفتر، مختلفاًبها ما جعل الله من الليل والنهار، وما قدَّر بمسيرها من الأوقات والأقدار، وبما بان من ذلك وأنار لكل أحد، بُهت الذي كفر فلم يكابر ولم يجحد.(1/87)


[استدلال موسى على وجود الله]
وكذلك قال موسى عليه السلام إذ قال لفرعون، حين قال له ولأخيه هارون: ? فمن ربكما يا موسى، قال ربي الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ? [طه:49 – 50]، فدله صلى الله عليه على ربهما بأدل دلائل الهدى، من عطائه سبحانه لخلقه من نعمه ما أعطاهم، وما منَّ به جل ثناؤه من هداهم، لكل رشدفي دينهم ودنياهم.
وفيما ذكر موسى صلى الله عليه من عطية الله لخلقه، ما أعطاهم من هداه لهم ورزقه، ما يقول سبحانه: ? هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ? [البقرة: 29]. ويقول سبحانه: ? وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ? [الجاثية: 13]. وفي هدايته لهم ما يقول سبحانه: ? والله أخرجكم من بطون أُمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ? [النحل: 78]. ولفرعون ما يقول موسى عليه السلام إذ قال فرعون ? وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ?[الشعراء: 23 - 24]. فلما أن قال له ذلك: ? قال لمن حوله ألا تسمعون ? [الشعراء: 25] ؟! يريد ما تقولون ؟ فقالوا لموسى ما قال، وسألوه عما سال، فقال عليه السلام رب العالمين: ? ربكم ورب آبائكم الأولين ? [الشعراء: 56]، دلالة لهم على أن الله ربهم ورب آبائهم الأولين، بما بَيَّن لهم ولغيرهم من تدبيرهم وإنشائهم، الذي لا يمتنعون من وجوده في أنفسهم، وفي كل عضو من أعضائهم، بالنشأة البينة فيهم والتقدير، والهيئة الظاهرة عليهم والتصوير، فلما قطعه وقطعهم، من حجة الله بما أسمعه وأسمعهم، خرج فرعون في المسألة والمجادلة، إلى غير ما كان فيه من الجدال والمقاولة، فقال العميُّ الملعون: ? إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ? [الشعراء: 27]. فرد عليه موسى عليه السلام قوله، بتبيين الحجة القاطعة له، فقال له ولمن حوله كلهم أجمعين، فيما كانوا يتقاولون أو يتجاهلون ويجهلون، ? رب المشرق والمغرب وما بينهما(1/88)


إن كنتم تعقلون ? [الشعراء: 28]، فالمشرق والمغرب وما بينهما كله فمربوب لا يشك فيه إلا الجاهلون، لما يُرى فيه، ويُتبين عليه، من أثر الصنع والتدبير، والهيئة البينة والمقادير.
فلما وقَّفه وإياهم على الآيات فلم يقفوا، وعرَّفهم الدليل والبينات فلم يعرفوا، وأمسكوا عن المسألة والمقال خاسئين محسورين، قال فرعون: ? لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ? [الشعراء: 29]. قال موسى عليه السلام توقيفا له ولهموتعريفا، وتقريرا للحجةعليهم وتعطيفا: ? أولو جئتك بشيء مبين، قال فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ? [الشعراء: 30 – 33].
وبمثل احتجاج إبراهيم صلى الله عليه وموسى عليه السلام على من ألحد وجحد وأشرك، لم تزل رسل الله تحتج على من تحيّر في الله أو ارتاب أو شك، وذلك فبَيِّنٌ والحمد لله فيما نزل من كتبه كثير، وقولهم في الإحتجاج على من جحد أو ألحد أو أشرك فواضحٌ منير، لا يطفأ له سراج، ولا يشبهه احتجاج، ولا ينكره من الخلق كلهم رشيد، ولا يأبى قبوله من الخلق إلا شيطان مريد.
وما لم يزل الله برحمته وفضله، يدل به من هذا ومثله، في كتبه وعلى ألسن رسله، فكثير عن الذكر له والاستقصاء، والتعديد والإحصاء، في كتابنا هذا وأمثاله، فنحمد الله على مَنِّهِ فيه وإفضاله، ونسأل الله أن يجعلنا وإياك - بما بصَّر - من المبصرين، وفيما أمر بالفكر فيه من المفكرين.
اسمع يا بني: فقد سألت أرشدك الله للهدى، وجعلك رشيداً مرشداً، عن أَولى ما سأل عنه سائل أراد لنفسه أو لغيره رشدا وهدى، أو لمبطل كان فيما سألت عنه متحيرا أو ملحدا متمردا.(1/89)


فجعلنا الله وإياك فيما سألت عنه، من القائلين بما يرضى منه، ووهبنا من البصائر بدلائله وآياته، ما وهب للقائلين في ذلك من محبته ومرضاته، فانه لن يصيب في ذلك هُداه، إلا من أرشده وهَداه، ولن يظفر فيه ببغيته وطلبته، إلا من كان متحريا لإرادة الله فيه ومحبته.
وبعد:
فاعلم يا بني: نفعك الله بعلمك فكم من علم غير نافع، ومنادى له وإن كان صحيحا سمعه غير سامع، وناطقٍ في عداد البكم، إذ ينطق بغير رشد في الهدى ولا عِلم، وكم من ناظر لا يبصر ولا يرى، كما قال الله سبحانه وتعالى: ? وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ? [الأعراف: 198]. وقال سبحانه: ? صم بكم عمي فهم لا يعقلون ? [البقرة: 171]. فليس كل مَن علم انتفع ولا اتبع، ولا كل مَن نُودِي به سمع ولا استمع، ولا كل مَن نطق فكر، ولا كل مَن نظر أبصر، ولا كل مَن له قلبٌ فَقِه ولا عَقَل، إذا هو أعرض وترك وغفل.
وفي أولئك، ومن هو كذلك، ما يقول سبحانه: ? ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ? [الأعراف: 179]، فكفى رحمك الله بما نرى من هذا ومثله في كثير من الناس بيانا وآيات لقوم يعقلون.(1/90)

18 / 201
ع
En
A+
A-