تفسير سورة الزلزلة
بسم الله الرحمن الرحيم
وسألت أبي صلوات الله عليه عن قول الله سبحانه: ? إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها، وقال الإنسان مالها، يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها ? فتأويل ? زلزالها ?: فهو ما ينزل بها وبأهلها، من أمر الساعة وأهوالها، وفي ذلك ما قلنا به من بيانه، ما يقول الله سبحانه، في يوم الساعة وأهواله: ? يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ? [الحج: 1]، ومن بيان ما قلنا به في الزلزلة من القول، وإنه من الشدائد والهول، قول رب العالمين، عند نزول الشدة والهول في يوم الأحزاب بالمؤمنين: ? إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ? [الأحزاب: 10 - 11].
تأويل إخراج الأرض لأثقالها، فهو طرحها لما كان عليها من أحمالها، والأثقال، هي: الأحمال، وأحمال الأرض: فما جعل الله عليها، وكان من الثقل الذي هو الإنس ساكنا فيها، من ميت وحي، وفاجر وتقي، وكيف لا تكون مُخرِجة لهم منها ؟! وكلهم فمنتقل إلى دار القرار عنها، وأرض الحياة الدنيا فأرض بائدة فانية، وأرض دار القرار خالدة باقية، ومن أثقال الأرض من في قبورها، ومن كان من الموتى على ظهورها، فمن كل ذلك طائعةً تتخلى، من قبل أن تبيد وتبلى.(2/379)


وفي تخليها من ذلك كله، وإخراجها عنها له، ما يقول الله جلَّ جلاَلُهُ، من أن يحويه قول أو يناله: ? وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت ?[الانشقاق: 3-4]، تأويل ذلك: أوحشت الأرض من أهلها وأخلت، فنُشر موتاها نشرا، وحُشر الموتى إلى الموقف حشرا، وعند ذلك من حالها، وما يخرج من أثقالها، يقول الإنسان والإنسان: فهو الناس كلهم عندما يرون من زلزالها، وإخراجها لما كان فيها من أثقالها: ما للأرض وما شأنها ؟! فتحدث الأرض حينئذ بخبرها أعيانها، بأن الله سبحانه قد أوحى لها، فقطع مدتها وأجلها، فحان فناؤها، وانقطع بقاؤها، فـ? يومئذ يصدر الناس ? كما قال الله سبحانه: ? أشتاتا ليروا أعمالهم ? وتأويل أشتاتا، هو يصدرون عن موردهم في حشرهم صدراً أشتاتا متفاوتا، فريق في الجنة وفريق في السعير، خالدا كل فريق منهم فيما صار إليه من مصير، فيرى كل من عمل مثقال ذرة من خير وشر، ما قدم لنفسه من عمل في فجور أوبر، كما قال سبحانه: ? فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ? فتأويل يراه: فهو يجزاه.(2/380)


تفسير سورة البينة
بسم الله الرحمن الرحيم
وسألته صلوات الله عليه عن قول الله سبحانه: ? لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ? ؟
فأهل الكتاب: هم أهل التوراة، والتوراة: فهي الكتاب الذي نزل على موسى عليه السلام، وأهله وحملته اليهود والنصارى، وهم أهل ملل كثيرة شتى، فاليهود منهم فرق كثيرة مختلفة، والنصارى أيضا فأصناف كثيرة متصنفة.
فمن اليهود: اليهودية، ومنهم فرقة يقال لها: السامرية، ومنهم فرق أخرى، تعرف وتسمى.
ومن النصارى: الملكية، ومنهم: اليعقوبية، ومنهم: النسطورية، في فرق أخرى، تعرف أيضا وتسمى، ولسنا نحتاج في هذا التفسير إلى ذكرها، ولا تفصيل ما هي عليه من أمرها، غير أنهم كلهم وإن افترقوا في مذاهبهم أهل الكتاب، والمشركون فهم أهل الإثبات مع الله للآلهة والأرباب، وهم مشركوا العرب، ومن كان يُقِرُّ برب، ومن الناس من ينكر ويجحد، أن يكون للأشياء رب يعبد، ويزعم أن الأشياء لم تزل كما ترى، ولا يُثْبِتُ في الأشياء تدبيراً ولا أثرا، فيكابر في ذلك عماية وجهلا، ما يدركه بعينه عيانا وقِبَلا، من الصنع النير والتأثير، والبدع المتقن ومحكم التدبير، الذي لا يخفى على عمي ولا بصير، وإن لم يقر بمعاد ولا مصير.
وليس أولئك، ولا من هو كذلك، من أهل التوراة، ولا من أهل الكتاب ولا ممن يقر بإله، ولا برب كالعرب، ومن كان مشبها للعرب، ممن يقر بالله، وإن أشرك مع الله، فإنما أولئك عند من يعقل كالبهائم السائمة، وإن لزمتهم الحجة بما جعل الله لهم من الجوارح السالمة، التي قطع الله بها عذرهم، وألزمهم بها كفرهم، وأولئك فليسوا ممن ذكر في سورة لم يكن، وإنما ذكر فيها من يقر برب وإن لم يؤمن، من كفرة أهل الكتاب والمشركين، فقال سبحانه: ? لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ?، والانفكاك والفك، هو المجانبة لما هم عليه والترك، وتركهم فهو لإشراكهم، وانفكاكهم من عقد شركهم، وفريتهم فيه على الله وإفكهم.(2/381)


وتأويل ? كفروا ?، فهو لم يشكروا ؛ لأن من لم يشكر الله تبارك اسمه بترك عصيانه، فكافر وإن كان مقرا ومعتقدا لمعرفة الله وإيقانه، كإبليس الذي ذكر الله سبحانه معرفته به، وذكر كفره لما ارتكب من الكبائر بربه، وكذلك كل من ارتكب كبائر تسخط من أحسن إليه فقد كفره، ومن أتى ما يرضاه وتولى أولياءه وعادى أعداءه فقد شكره، ولما جمع أهل الكتاب والمشركين من كبائر عصيان رب العالمين دُعُوا جميعا كفرة، وإن كانت قلوبهم كلهم وألسنتهم بالله مقرة، فقال: ? لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ?، تأويل ذلك: أنهم لم يكونوا مُقْصِرين، ولا تاركين لما هم عليه، وعاصين لله فيه، ? حتى تأتيهم البينة ? المنيرة الظاهرة، فقال: ? رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ?، ويتلو: يقرأ ويتبع بعد القراءة ما اقترأ، والصحف: ما صحف ليقرأ، والمطهرة: ما جعل منها بركة وتطهرة، وبينات منيرة مسفرة، وكل مطهر فمبارك وكل مبارك فمطهر له، وفيه بالله البركة والتطهرة، وكذلك يقال في الرسول عليه السلام إذا ذكر بما جعل الله من البركة فيه: رسول الله الطيب الطاهر، وهو قول الكثير عند ذكره الطاهر، عندما يذكره بذلك صلَّى الله علَيهِ وآله وسلم من الصادقين كل ذاكر، وإنما يراد بذلك المبارك المُزكَّى، وليس يراد بذلك طهارته بالماء إذا توضأ.
وكذلك يقال في ابنته فاطمة صلوات الله عليها إذا قيل: الطاهرة إنما يراد بذلك ما جعل من البركة فيها، ومن ذلك ما وهب لها وجعل لبركتها من بقية رسول الله ونسله، صلوات الله عليه وعلى آله.
فهذا - والله محمود - من تأويل الطهارة ومطهرة، ومن وجوهه المعروفة غير المستنكرة، لا يجهل ذلك - إن شاء الله - ولا ينكره، من يعرف لسان العرب ويبصره.(2/382)


وتأويل ? فيها كتب قيمة ?، هو كتب منيرة بينة محكمة، لها نور وبرهان واحتجاج، ليس فيها اختلاف ولا اعوجاج، ثم ذكر الله سبحانه ما ذكرنا من افتراق أهل الكتاب واختلافهم، وما هم عليه اليوم وقبل اليوم بتشتيت أصنافهم، فقال تبارك وتعالى: ? وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ?، والبينة: فهي الرسل والأمور التي جاءتهم النيرة المبينة، وهي التي ليس فيها دُلسة، ولا عماية جليلة ولا لُبسة، ولكنها بينة نَيِّرة مُضيَّة، ظاهرة لمن يعقلها جلية، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: ? وما أمروا إلا ليعبدو الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ? فأمروا ليعبدوه جل ثناؤه وحده، فعبدت النصارى معه المسيح رسوله وعبده، وأُمروا ليخلصوا له الدين ولا يجعلوا له ولدا، فجعلوا له ولدا وجعلوه كلهم ثالث ثلاثة عددا، وفيهم ما يقول سبحانه: ? لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ? [المائدة: 73]، فهو الله الأحد الصمد الذي ليس له ولد ولا والد.
وقالت اليهود كما قال الله جلَّ جلاَلُهُ، عن أن يساويه شيء أو يماثله: ? عزير بن الله ? [التوبة: 30]، فلحقوا بالنصارى في الكفر بالله، وشبهوا الله ببعض حالات خلقه في الهيئة والقوى، وزعموا أنه جالس على عرش هو سرير وأنه لا يتوهم له قرار في جو ولا هواء، وأن له مقعدا من العرش والكرسي ومستوى، وتأوَّل مَن شَبَّهه من هذه الأمة في ذلك ما يقول الله سبحانه: ? الرحمن على العرش استوى ?[ طه:5]، وأمروا أن يكونوا حنفاء، فكانوا جورة حُيفا.(2/383)

162 / 201
ع
En
A+
A-