الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً. ونسأل الله ولي نعمة الابتداء، ومسهِّل سبيل قصد الاهتداء، أن يمنّ علينا وعليكم بشكر نعمه في ابتدائه، ويحسن إلينا وإليكم بعونه على سلوك سبيل أوليائه، التي أرجو أن تكون أنفسكم ـ لها وفيها، ولما أنتم عليه لله من التمسك بها والقصد إليها ـ من الأنفس التي أذن الله بعمارتها، ورمى إليها بأسباب حياتها، فقد عقد الله لكم لذلك لدينا عَقدَ الخلة والاخاء، ووكَّد بذلك لكم علينا أخوّة الخاصّة والأولياء، فأيقنوا أنه لم يُوصل سببٌ من الأسباب بين المتواصلين، ولم تعقد خلّة من الْخُلل بين المتخآلِّين، من الأولين من خلق الله لا ولا من الآخرين، بغير ما يرضي الله سبحانه من التقوى، ويستحقه جل ثناؤه من الطاعة له والرضى، إلا كانت وصلةَ حسرةٍ وانقطاعٍ، وندمٍ غداً واسترجاع، يدعو أهلها فيها بالويل والعويل، ويصيرون بها في الآخرة إلى خزي طويل، ذلك قوله جل ثناؤه :? الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين?[الزخرف: 67]. وقوله تعالى عن القائل غداً:? يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولاً ?[الفرقان:27- 28].
ونحن نرجو ولِيَكم الله أن يكون وُصلة ما بيننا، وما عقد الله - فله الحمد - عليه خُلَّتنا، سبباً عقده الله بالايمان، وأسَّسه منه على رضوان، فمن أحق بالتعظيم منا لِما كانت الأبرار تعظمه، ومن خير ما قدمناه فيه ما كانت الأتقياء تقدمه، من كل ما كان لهم على بغيتهم من النجاة دليلاً، وإلى ما يلتمسون من فوز حياة الخلد عند الله سبيلاً، من التذكير من بقاء الآخرة وفناء الدنيا بما ذكَر، والأمر في عاجل هذه الدنيا من التقوى له بما به أَمر.(2/219)
فافهموا ذلك فَهَّمنا الله وإياكم سبيل الخير، ونفعنا ونفعكم فيها بمنافع التذكير، فإنه يقول سبحانه:? وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين? [الذاريات: 55]. والدنيا وإن كان أمرها قصيراً، وبقاء أهلها فيها قليلاً يسيراً، فاعلموا رحمكم الله أنها وإن كانت كذلك في البلوى، فإنها متجر لأرباحِ فوائد التقوى، ومكسب غنمٍ لمن كسبها فيها، ومحلٌ مُخصب لمن تزود إليها منها، ومعبَرٌ لمن تَبلَّغ بها عند ظفره بكسبها، إلى دار مقام، ومحل دوام، ليس عنها لمن نزلها انتقال، ولا منها بعد طولها زوال، والدنيا فإنما خلقها الله سبحانه لعبادته، وأمر خلقه فيها بطاعته، ونعاها إليهم قبل فنائها، وأخبرهم جل ثناؤه بقصر مدتها وبقائها، فقلَّل بأحق الحقائق في أعينهم ما يستكثرونه من كثيرها، وقصَّر في كتابه الناطق عندهم ما يستطيلونه من تعميرها، فقال :? ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لِمَ كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً، أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً? [النساء: 77 ـ 78]. وقال سبحانه:? إنما أنت منذر من يخشاها، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها?[النازعات: 45: 46]. وقال تبارك وتعالى:? ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين?[يونس: 45]. وقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه:? فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون?[الأحقاف: 35].(2/220)
[الدنيا الغرور]
فالدنيا أحق منزلٍ بأن لا تُملَّ مكاسبُ غُنمه، ولا يغفل في حث ولا جدٍّ ولا اجتهاد عن تغنُّمِه، ولا يذم سعي من عمل له، واغتنم فيه مدته وأجله، بل المستحق للذم فيها من أوطنها، على يقين العلم بالنقلة منها، وسعى للنيل فيها، مع يقينه بفنائها، فأصبح مشغولاً بالفراغ مما شغله، فارغاً من الشغل الذي فُرِّغ له، مصيخاً إلى الغرَّة، موطناً لدار النقلة، لا جاهلاً فيُعذر، ولا ناسياً فيُذكَّر، فكأنّ الموصوف المفتون بما يسمع ويرى، ليس بموقنٍ بزوال الدنيا، بل كأنه لم يوقن بمواعيد ربه غداً إذ تأخر ذلك عنه، ولم يصدق بما حُذِر إذ قصر به دُنُوُّه منه، بل كأنه نسي أن الدنيا جعلت دار بلوى، ولم تجعل لأحد من ساكنيها دار مثوى، وجعلت إلى غيرها معبراً، ولم تجعل لساكنيها مستقراً، وأنها لأهلها ممر سبيلٍ، ومنزل نقلة وترحيل، وأن كل من فيها إلى دار قراره غير لبيثٍ، ومن الآخرة في السير حثيث، فلو كان يصير من فيها بعد موته إلى غير معادٍ ولا مصير، لما وسعه إن نظر أو عقل ففكر أن يركن إلى ما يزول، وينصب لما يفنى فلا يدوم، وكيف وهو مبعوثٌ ومحاسب، وموقوف غداً للحساب فمعاتب، فيما أفنى من عمره، بل في كل أمره، من صغير محصوله، وجميع فعله وقوله، يحضر له كله يوم البعث في الحساب، ويجد ما كان فيه من خطأ أو صواب.
فيا ويله أما سمع قول الله تبارك وتعالى فيه، وما حكم الله به من عدل حكمه عليه، إذ يقول سبحانه:? ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً ?[الكهف: 49].(2/221)
فبادروا رحمكم الله لعظيم المغنم، وأجدوا في الهرب من أسف الندم، واتقوا صفقَة الخسار، فإنها بين الجنة والنار، ولا تبغوا من الراحة ما يُفضي بأهله إلى النصب الدائم، ولا من النيل إلى ما يؤدي إلى حرمان الغنائم، وأكثروا ذكر السقم والوفاة، وما رأيتم فيهما وبهما من البغتات والفجآت، فكم قد رأيتم بهما من مبتَغَتٍ وصريع، وكم سمعتم عنهما من خبر هائل فضيع، ولا تؤثروا ما لم تخلقوا له على ماله خُلقتم، ولا تكثروا تشاغلكم بطلب الرزق فقد رُزقتم، قديماً في ظلم الأرحام، وبعدُ إلى حين أوان الفطام، ثم مذ كنتم في الناس شيئاً مذكوراً، فكفى بذلكم على كفاية الله دليلاً ونوراً.
فاعرفوا كفايته لكم بما عُرِّفتم، وقوموا من ذلك كله بما كُلِّفتم، واضربوا عن طلب الدنيا عنكم بفادح الأثقال، وتكلف ما أنتم فيه لطلبها من الأشغال.
أفلستم بموقنين، ببتِّ يقين، لستم بمرتابين، أن الحظ من الدنيا إلى نفاد، وأنكم من الموت على ميعاد، فما بالكم لا تنظرون في عاقبة الدنيا، ولا تتأهبون إن كنتم موقنين لدار المثوى، أترون ذلك زُلفاً عند ربكم، وليست لكم أم بوسيلة وليست معكم، أم بحسن عملٍ ولم تقدموه، أم بعظيم الرجاء ولم تحققوه.(2/222)
فيا أيها الراكن إلى الدنيا وزخرفها، والآمن لنوائب تصرفها، والمغتر في معاشها ومكالبتها في طلبها، والمؤثر لها على ربها، والمشغول بما كفى منها، والجاهل بخبر الله عنها، هَبْكَ لم توقن بما دعا الله إليه من ثوابه! ولم تخف سطواته فيما حذرك من عقابه! ألم تك ذا عقل فتفهم عن الدنيا خبرها ؟! وتسمع منها موعظتها ؟! فلعمرها ما قصَّرت في موعظة، ولا تركت لذي عقل فيها من علة، لقد أخبرتك عن القرون، بما أحلت به من المنون، فخربت الديار، وعفَّت الآثار، هَبْكَ أصم في هذا كله عن سماع موعظتها، وما كشفت لك بذلك عنه من سوآتها، أَلَمْ تُرِك عياناً فيمن معك من نوازل مناياها ؟! وما أوصلت إليك في فقد الأحبة من رزاياها ؟! أو لم تكن في طول ما جربت من أسقامها ؟ وما حل بك خاصة في نفسك من آلامها ؟ وما علمت من استدعاء القليل من موجودها، للكثير الجم من مفقودها، حتى في كل أمرها، بل في خطرات ذكرها، فهي فقرٌ لا غناء معه، وشَرَهٌ لا قناعة له، وحرصٌ لا توكُّلَ فيه، وطلب لا انقضاء للميعاد منه، وغدرٌ وخترٌوكذبٌ وخيانة، ليس فيها صدق ولا وفاء ولا أمانة.
أفما كان في ذلك ما يدعوك إلى الزهد فيها، والتنزه بَعدَه من الميل إليها، وإدخال الراحة على نفسك من الشغل بها، وما حملك الشَّرهُ من أحمال ثقلها ؟! فكيف وأنت زعمت أنك موقن بمواعيد ربك، وذلك فما لا يتم - إلا به - إيمانك، فكيف وقد فهمت من الدنيا خبرها، وعلمت يقيناً موعظتها، وأيقنت أنه لا يدوم لك فيها خلود محبة، ولا يتم لك فيها سرور بمعجَبَة، ولا يتبعك منها تراث تَركْتَه، والموت فسبيل كأن قد سلكتَه، فكل هذا منها فأنت منها في منهج وسبيل، مع أن الذي هو فيها وأدل عليها من كل دليل، خَبَرُ الله سبحانه عنها، وما وصفه من صدق الخبر منها.(2/223)