وذكرت أن الحشوية قالوا: إن زعمنا أن الله كلمه دخلنا في مذهبهم، وإن زعمنا أن الكلام هو الذي قال لموسى: ? ???????? ???????? ? [طه:12]، فقد عبدنا الكلام بزعمهم، فقل للحشوية إن كانوا يعقلون، وكان ينصفون عقولهم أو يفهمون: إن الكلام ليس بخالق فيدعي الربوبية، وإنما هو عرض أوجده الله وأوصله، وخلقه في الشجرة وفعله، وخاطب نبيه به وفصَّله. وأما مذهبكم فلا نرجع إليه، ولا نفتري على الله كما افتريتم عليه.
ثم يقال لهم: أخبرونا عن الكلام الذي زعمتم أنه قديم، وأنه صفة قديمة للواحد الكريم، أهو مثل معبودكم فيكون معبودكم جزأين؟! ويبطل وحدانيته إذ صار نصفين، لا سيما إذا كان هو والقرآن مثلين، أم تقولون أنه أفضل من القرآن باللسان والشفتين، فتشبهون الله بغيره من المخلوقين، كما لم تزالوا لذلك معتقدين، فإن كان معبودكم على ذلك، وكان في الصفات المحدثة كذلك، فلا بد له من صانع خالف بين شفتيه ولسانه، وغاير بين حنكه وأسنانه، وكذلك لا بد له من صانع خالف بين صوته وجثمانه، لأن الصوت لا يخرج إلا من الجثمان، ولا يفرق بين الحروف إلا بالنسمة والجنان، والحنك والشفتين والأسنان، وإذا كان كذلك فلا فرق بينه وبين الإنسان.(1/271)


ويقال لهم أيضا في قولهم: إن معبودهم جالس على كرسيه وعرشه، وأنه يسكن عليه بعد حركاته وبطشه، أليس معبودهم يباشر السرير بأسفله، ويباشر الهوى بأعلاه وأوله، فما الذي فرَّق بين أعلاه وأسفله، وغاير بين مدبره ومقبله، فلن يجد المشركون - إن شاء الله تعالى - جوابا، ولن يملكوا بعد هذا القول خطابا، فزاد الله قلوبهم عمى وجهلا، وغيا وضلالا وجدلا، فلقد عموا ويلهم عن أعظم الأشياء وأجلها، وانتقصوا أعظم الموجودات وأكملها، وعبدوا غير الله بزعمهم، وما أرى للإمام بعد عرض التوبة غير قتلهم، والتقرب إلى الله بتلفهم، لأنهم بمنزلة عباد الأصنام، وغيرهم من كفرة الأنام، إلا أنهم قد زادوا على شرك المشركين، بقذفهم وشتمهم رب العالمين، وعداوتهم لخاتم النبيين، وذريته الأخيار الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين، ولعنة الله على الظالمين، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على رسوله سيد المرسلين، وأهل بيته الصادقين.
تم الكتاب بمنِّ الله وفضله.
- - -
كتاب الأكفاء
كتاب الأكفاء
سألت يا أخي أكرمك الله بثوابه، ونجانا وإياك من سخطه وعذابه، عن مسألة غرق فيها كثير من الجهال، وتخبَّط فيها من لا يعقل من الضُّلال، وعمي عنها جميع أهل الركاكة الأنذال، ممن جهل الحكمة وضل عن الهدى، واتبع الغي والتكمة والردى، فزاد الله من كان كذلك نأيا وبعدا، وقلت: ما صفة الأكفاء عند النكاح؟
وسأوضح ما سألت عنه بعون الله أحسن الإيضاح، ولقد سألت عن سبب يلزمني إنكاره وبيانه، ويجب على العباد إيضاحه وتبيانه، ويجب العقوبة باللسان والسيف لمن خالفه، والإخاء والمودة لمن والفه، لأن الله عز وجل حكم بأحكام الحق بين العباد، فمن خالف ذلك وقع في الغي والفساد، وخرج من الحق والصدق والرشاد، فرأيتُ عند مسألتك أن يكون كتابي هذا جوابا لسؤالك، وزجرا وتحذيرا لمن كان من أولئك، وكان في خلاف حكم الله على ما ذكرنا من ذلك.(1/272)


واعلم يا أخي علمك الله رشدا، وزادك إلى هداك هدى، أن الله سبحانه خالف بين أصناف عباده، ونشرهم وكثرهم في بلاده، لغير حاجة منه إلى تكثيرهم، ولا فاقة منه إلى شيء من أمورهم، فجعل النكاح سببا لنشر حكمته، وعجائب صنعته، وإظهار نعمته، وحرم على الأصناف الدنية نكاح من ليس من أشكالها، وأمر تلك الأصناف بنكاح مثلها، وكذلك يكره لأهل الشرف نكاح الزنجيات، وإن كن في حكم الله غير محرمات، وفي ذلك ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبني هاشم: ((عليكم ببنات الأعجميات فإن في أرحامهن بركة)).(1/273)


ثم قال عليه السلام: ((وإياكم والزنحيات، وما شابههن من الخلق المكروهات، فإنهن خلق مشئوم))، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله، أن الزنجيات وما شابههن من الخلق المكروهات، لخلق مشئوم، على أهل الأنساب، وأهل الشرف والمرواءت والأحساب. لأن الولد ربما أشبه من تلك الأمهات قبح ألوانهن وصورهن المقبحات، فيصير الهاشمي بعد حسن أصله الصريح، كالزنجي الشنيع الدني القبيح، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك لنسله، وزجر من دخل منهم في ذلك لجهله، وقلة تمييزه وركاكة عقله، وكان صلى الله عليه وآله يأمر بأن تحمل الأشكال من جميع الحيوانات على أشكالها، ولا تحمل أبدا عند من عقل على غير أمثالها، وقال صلى الله عليه وآله: ((الكفؤ في المعنيين جميعا، في المنصب والدين معا)). والمنصب فهو: الأصل الصحيح، والنسب المعروف المهذب الصريح، فأعظم الأنساب كلها نسب ذرية الرسول، وأولاد الوصي وفاطمة البتول، صلوات الله عليهم أجمعين، فنساء رسول الله صلى الله عليه وآله على جميع الخلق محرمات، لأنهن لخاتم النبيين ذرية وبنات، وحُرَمٌ له على مماليكه محرمات، لأنه صلى الله عليه وآله مالك وغيره مملوك، وهو أولى بهم من أنفسهم، وأعظم حقا عليهم من آبائهم، ولذلك حرم رسول الله صلى الله عليه وآله نساءه عليهم، وجعلهن للعباد مثل أمهاتهن، وإذا حرمت بحق لأجل النكاح زوجاته، فتحريم نسله أعظم لأنهن بناته، ولأن حق الأولاد أجل من حق الفراش، لا ينكر ذلك أحد من الأخيار والأوباش، وإذا حرمت على بناته زكواتهم، فأجدر أن تحرم عليه مناكحتهم، لأن الله نزههم من وسخ الأموال، فكيف بما هو أقبح من ذلك من الأحوال، فعظَّم سبحانه بنات رسوله من أقل الأشياء وأسهلها، وطهرهن من زكاة الرعية ونذالتها، فكيف بأعظم القبائح من فعلها، وجعل نكاح زوجات الرسول من أعظم الكبائر كلها، ببنات البتول ونسلها؟! فمن أحل ذلك بعد علمه بتحريمه، أو قال ذلك حلال مع تعظيمه، رأيت قتله في(1/274)


حكم الله واجبا، وفرضا من الله مؤكدا لازبا.
وبعد ذلك فقريش أكفاء فيما بينهم، وكذلك جميع العرب على قدر أنسابهم، ومعرفتهم بمناصبهم وأحسابهم، فلا تحل نساء العرب إلا لمن هو مثلهن في النسب، أو من هو أفضل منهن في الأصل والحسب، ومن كان مجهول الأصل من العباد فمناكحته حرام على المعروفين، ولا يجوز نكاح المجهول بمعروفة النسب، لأنه لا يؤمن أن يكون أصله من غير العرب، فيكون ذلك النكاح محرما لدناءة المنصب، ومن فعل ذلك رأيت التفريق بينه وبينها واجبا، ورأيت الأدب لوليها، والتنكيل والإبعاد للناكح لها، وكتابي هذا إعذار وإنذار لمن نكح من هؤلاء المجهولين، إلى العرب الصرحاء المعروفين، فرحم الله عبدا عرف أصله، ثم طلب من النسوان من كان مثله، ومن فعل غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ومن سمع كتابي هذا وهو من المذكورين، الذين حرم الله نكاحه على الصرحاء المعروفين، فيفارق من كان عنده، ويستر بذلك عَوَره وعرضه، وإلا فيصبر نفسه على كشف أمره، وقبيح شناعته وذمامة ذكره، فإني بعون الله أخزي مَن حكم بغير حكم الرسول، وأميز بين أهل الدناءة والأصول، وكذلك من كان غير حمي على أصله، ولم ينكف على حرمه وأهله، فيبشر منا بالعقوبة والهوان، وبما يخزيه في الآخرة من عذاب الرحمان، ومن لم يزدجر من آولئك بآدابنا وكلامنا، فسنرده إلى الحق بحد سيوفنا ورماحنا، وقد عرَّضت لمن عقل بالتلويج، قبل المباينة والضرب والتصريح، فمَن قَبِلَ ما أمرناه به من حكم القرآن، وإلا قتلته بحدة السيوف والمِرَان، والله حسبنا وعليه التكلان، وكذلك لا يتم النكاح إلا بعد رضى الحرم وإعلامهن، ولا يجوز لأوليائهن ذلك إلا بأمرهن، أو بعد الإخبار بمساكهن، ولا يجوز لأحد أن ينكح من هي كارهة له، والذي أراد الله من العباد، هو كلما أبعد من المقت والفساد، والكفؤ فهو: على ما ذكرنا، وبه من المنصب والدين قلنا، وبعد فلا يجوز لقبيح الصورة ثقيل، أن ينكح ذات جمال وخلق عديل، إلا أن(1/275)

55 / 58
ع
En
A+
A-