وقد زعم بعض الحشوية أهل الضلال، الجهلة الكفرة الضُّلال: أن هؤلاء الجهلة لا يرجعون إلا بالاحتيال، والاستدراج والنفاق والاغتيال، وأنه يجوز للإمام وغيره أن يوهمهم، ويوقع في أنفسهم أنه على دينهم، حتى إذا اطمأنوا إليه وعظهم، بعد أن يستميل بالتوهيم قلوبهم. وتأولوا لعنهم الله وأخزاهم، وأضل سعيهم وأرداهم وزادهم عمى على عماهم، أن إبراهيم وموسى عليهما السلام دخلا مع قومهما في الضلال، ليخرجاهم من الفساد بالاحتيال، وزعموا أن موسى لما رأى قومه يشبهون الله، قال: ?? ????? ????????? ?????????? ?????????? ? [الأعراف:143]، وقد علم أن الله لا يسعده إلى ما طلب، فلما لم يعطه إرادته قال لهم: يا قوم كم تطلبون رؤية الله؟! وقد ترونه قد منعني ذلك فكيف بكم؟! فزعموا أنه ردهم بهذه الحيلة عن التشبيه، وزعموا أن قوم إبراهيم لما عبدوا النجوم دخل معهم، وقال لهم: لما ? ????? ???????????? ?????? ??????? ???????? ? [الأنعام:76]. حتى يرجعوا معه إذا رجع، ويصنعوا من التوبة ما صنع، فيا للحشوية الويل الطويل!! والعول والعذاب الجليل!! أما سمعوا قول الله سبحانه: ? ??????????? ?????? ????????? ? [الحجر:94]، وقوله: ? ?????? ?????????????????? ? ?????????? ????????????? ???? ????????? ? [النساء:145]. ولئن كان الأنبياء عندهم محتالين، وبالكذب للناس مغتالين، لقد جعلوهم قدوة للمنافقين، والله يقول: ? ????????? ??????????? ?????????? ?????????? ??? ???????????? ? [النحل:105]. ولئن لم يرجعوا بنور الحق وبهجته، لارجعوا بالباطل وظلمته، وضعفه وعجزه وركاكته، ولكن الحشوية عجزوا عن الحجج، ونورها، فدخلوا في أبواب النفاق وزورها، وإنما يدعا الناش بلين المراجعة في المقال، ويبين لهم فساد ما يعتقدون من المحال، ويوضح لهم بما هم عليه من الضلال، فإن أقبلوا إلى الحق ورجعوا، وصاروا إلى المؤمنين وأجمعوا، وإلا رفضوا صاغرين وقطعوا، فيا لعباد الله(1/266)
أترون موسى كان عيا جاهلا؟! وكان عن حجج المعقول غافلا؟! حتى لا يقول لهم: إن الأبصار لا تبلغ ولا تقع، إلا على ما يفترق من الأشياء ويجتمع، ولا يُنظر بالعيان وبالأبصار، إلا ما كان في قطر من الأقطار، وما حوته الأقطار، وأدركته وعاينته الأبصار، فهو أصغر من محله وموضعه، وأقل من مهبطه ومطلعه، وما كان من الأشياء صغيرا منقوصا، وكان بالنقص والصغر مخصوصا، فلا بد له من صانع نقصه وأصغره، وقطع نهايته وبتره!!
فاتقوا الله يا قوم وذروا منكم التجاهل، والجنون والخبل والتغافل، وإلا فإني بريء إلى الله منكم، ومهاجر في أرض الله عنكم، وكذلك الخليل صلوات الله عليه فقد كان غير غبي بالجلال، ولا حصر بمخاصمة أهل المحال، أفهو عاجز عن أن يقول: إن النجوم لا تنفك عن الحركات والمسير؟! والاضطرار على الحركة يدل على التسخير، مع ما فيها من عجائب التقدير، وآثار الحكمة والتدبير، وإلا فما الذي خالف بين ألوانها وهيئاتها، وفرق بين أجسامها وحركاتها، لو كانت يا قوم قديمة لاتفقت، ولما تباينت ولا اختلفت. فاتقوا الله يا قوم وخافوه، ولا تغفلوا ذكر الموت وراقبوه.(1/267)
ولكن أعداء الله حسبوا وتوهموا، وتجاهلوا عن الحق فلم يعلموا، أن غضب أولياء الله لربهم، أكثر من غضبهم لأنفسهم، أو ليس قد حكى الله في القرآن مجادلتهم للفراعنة الجبارين؟! العتاة الطغاة المتكبرين، فكيف بضعفة الإسرائليين؟! وغيرهم من المسكنة الضالين؟! وهل كانوا يضنون بأنفسهم عن طاعة رب العالمين؟! وقد حكى الله عن نبيه إبراهيم، من العزيمة ما ألقي لأجله في الجحيم، فنجاه برحمته من كيد الكايدين، وكذلك يجزى الله المحسنين، وأمره الله وامتحنه، وابتلاه ومحَّضه، واختبره بالعزيمة على ذبح ولده، ولم يرد الله غير [إظهار] عزيمته، ولكنه لم يدر عليه السلام بقصد الله وإرادته، فقام عليه السلام بولده ومهجة قلبه، وثمرة فؤاده ونفسه، ليفري أوداجه ذنجا، طاعة لله ومسارعة ونصحا، مع ما هو عليه من شفقته، وكرم طباعه ورحمته، وحسن أخلاقه ومروته، فما منعه ذلك من طرح ولده على وجه الأرض وصرعه، وعزيمته على تلفه وقطعه، وتركه لحُرِّ جبين ولده على حضيض التراب ووضعه، فلما رأى الله منه ما رأى، وإذ لا شك عنده في طاعة الله ولا امتراء، وأظهر من أمره وفضله ما كان مستورا، أمره حينئذ بأن لا يذبح ولده، بعد ما أظهر سبحانه بهذه المحنة صبره وجَلَدَه، ولم يعلم صلى الله عليه بإرادة الله فيما أوحى إليه، وكذلك فعل بقومه وأبيه، بعد احتجاجه ولطفه وتأنيه، واستغفاره لوالده خوفا من أن يكون من الضالين، ورجاء أن لا يكون من المتعمدين، احتياطا منه لطلب الأمان، وخوفا من العذاب والنيران، ? ?????????? ?????????? ?????? ?????????? ??????? ???????? ??????????? ??????? ?????? ??????????????? ??????????? ??????? ????? ? [التوبة:114]. والأواه فهو: المتأوه الحزين، والتأوه في ذاته فهو: الأنين، والزفير والأحزان والحنين، لما دخل قلبه من خالص اليقين، ولما عرف من الحق المبين، فلما امتلأ قلبه نورا، وصار بذكر الله ومعرفته معمورا، حزن على نفسه عند ذلك من ذكر(1/268)
الموت والعذاب، وأقبل على الدين والحق والصواب، ونقَّى قلبه وطهَّره من اللعب، وسلا عن التصابي والجهل والطرب، ولم أر شيئا أجلى للقلوب من العدل والتوحيد، ومعرفة الوعد والوعيد، وتلاوة القرآن، وكثرة الدعاء إلى الرحمان، فمن أراد أن ينجو عند الله من العقاب، ويُسدد إلى طريق الصواب، فيتحرز من الكبر والإعجاب، ويحتسب نفسه أذل من التراب، فإن الله عز وجل نهى عن التكبر لما فيه من أصناف العيوب، لأنه أحد متالف القلوب.
وكيف يتكبر من هو ضعيف رذل؟! لمنقوص في جميع الأحوال نذل؟! وكيف يعجب بنفس تزول عن قليل محاسنها؟! ويكثر وشيكا عويلها وحزنها؟! مع ما يستر دائما من عيوبه، ويحمله على مُقارنه وقريبه، إلا أن يكون قد أعجب بنفسه لكثير عمله، فهو يعلم أن حقوق الله أكثر من فعله، وأن عمله لا يقوم بنعمة من نعم مولاه، ولا بشربة ماء مما سقاه، ولا بشفاء مرضه مما شفاه، ولا بعافية ساعة مما عافاه.(1/269)
وأيضا فإن الإنسان كثير الذنوب، قبيح الفعل كثير العيوب، وإن كان يعجب بشبابه فكيف يعجب بشباب يصير إلى الهرم؟! إن سلم أحد اليومين من الموت والسقم والمصير إلى التفرق والعدم، وإن كان يعجب بشجاعته، فكيف يعجب ويله لجرأته؟! وهو يضعف عن العملة لعجز بنيته، حتى ربما شغلته ومنعته، من الفكر وقطعته، وإن كان يعجب بنفسه لكثرة علمه، وجودة تمييزه وفهمه، فكيف يعجب بنفس تجهل أكثر مما علمت؟! ولا تدري متى يحل بها ما كرهت، ولو علمت كل علم في الدنيا لما سلمت، وإن العلم يزول إذا عطبت. فأول مَن فخر، وأعجب بنفسه واستكبر، إبليس، الكافر النجس الرجيس، فمن اقتدى به فقد فعل فعله، وصار بذلك في حكم الله مثله، وذلك أنه فخر بالنار على الطين، وذلك فليس من فعل اللعين، وإنما فخر بالنار لحدتها وضرامتها، وعلوها في الأهوية وخفتها، وما هي عليه من قوة بنيتها، وذلك فإنما هو فعل الله لا فعله، وتقدير الله لا تقديره، وحكمته وفضله. فأما العباد فخيرهم أكرمهم طباعا، وأسبقهم إلى طاعة الله إسراعا، لا ينظر في الخيرة إلا إلى أفعالهم، ولا يفضلون بغير أعمالهم، وقد رأينا من الناس من يتكبر على الجهل وهو لا يعلم، ويحمله الكبر أن لا يقول: الله أعلم، ولو قتل الإنسان نفسه في طلب العلم قتلا، لما برح ولا زال مع معرفته جاهلا.
فاحفظوا رحمكم الله وافهموا، ولا تغفلوا عن ذلك واعلموا، لأن الله سبحنه نقص العباد بأنواع من الشرور، لما في نقصهم من عجائب الأمور، ولو أتمهم وأكملهم وأغناهم، ولم يرهم من النقص والعيوب ما أراهم، لعظم هلاكهم وعُتاهم، ولقتلهم حب الدنيا وأطغاهم، ولكنه جاد عليهم بما كفاهم، ثم زجرهم ونهاهم، بعد أن بصرهم هداهم، وبيَّن لهم فجورهم وتقواهم.
وسألت عن الكلام الذين سمعه موسى عليه السلام؟(1/270)