والجواب والله الموفق: أن الفرق بين الكبير والصغير واضح من حيث أن الصغير معذور من التكاليف الشرعية بخلاف البالغ العاقل فتأمل.
فإن قيل: هذا مناقضة لما قدمت في أثناء جوابك حيث قلت هناك ما معناه: إنه لا يجوز أن يملك الرجل ولده الصغير جميع ما يملك ويعتمد على مال ابنه.
قلت وبالله التوفيق: لا مناقضة في ذلك؛ لأن تكليف الأب أن يستغني بما رزقه الله تعالى، وتكليف الولد أن لا يمنع أباه ولو كان مستغنياً فتأمل.
بلى يجوز للولد جر والده إلى الحاكم لنفقته حيث وجبت على الأب لفقر الولد إذا خشي على نفسه التلف فقط؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ}[النساء:29]، وقوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]، ولما رواه في (الشفاء) عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((عند الضرورات تباح المحظورات)).(1/232)
[حكم أخذ الولد من مال أبيه]
وقال السائل: فهل للولد أن يأخذ من مال أبيه بقدر ما أخذ من ماله من جنس ما أخذ الأب إن أمكن أو من غير جنسه على وجه الحقيقة إذا كان الأب غنياً؟
والجواب والله الموفق: أن الله قد أوصى بهما وبالإحسان إليهما كما تقدم ذكره، والأخذ من مالهما مما يسؤهما وذلك خلاف ما وصّى الله بهما من البر بهما وخلاف الإحسان إليهما، ومثل أذية التأفيف وفوقها، ومثل أذية نهرهما أو فوقها أيضاً، وقد قال تعالى: {فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا...} إلى قوله: {وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}[الإسراء:23،24]، وما ذكرناه من ذلك موافق لأصول ما قرره العلماء حيث قالوا: لا يقتص من والد لولده ولا يحد له إن قذفه.
وقال بعضهم: لا يحبس لنفقة ولده فتأمل.(1/233)
[حكم أخذ الدين من مال الغريم إن أمكن]
وقال السائل: فإذا كان الغريم غير الوالد وتمرد أو لم يكن مع صاحب الدين شهادة وخشي إن جرّه إلى الحاكم أنه يحكم عليه بعدم ثبوت الدين لفقد الشهادة أو كان يتحشم من جره إلى الحاكم، فهل له أن يأخذ من مال الغريم من جنس دينه إن أمكن؟ وإلا أخذ من غير جنسه!
والجواب والله الموفق: أن الغريم إذا كان معترفاً بالدين وتمرد ولا حاكم، وكان الدين مثلياً جاز لصاحب الدين أن يأخذ من حق الغريم مثله جنساً وقدراً وصفة بشرط الأمان من إثارة الفتنة بينهما؛ لأن المعلوم من الدين ضرورة أن ذلك هو اللازم في مال الغريم لصاحب الدّين، وقد قال تعالى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ على الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}[الشورى:41،42]، ولأنه داخل تحت قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ...}[النحل:126] الآية.
وأما إذا كان الأمر على خلاف ذلك فلا يجوز.(1/234)
أما إذا كان الغريم منكراً فيه فقد قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى الله وَالرَّسُولِ}[النساء:59]، والرد إلى الله هو إلى كتابه، والرد إلى رسوله هو إلى سنته الجامعة غير المفرقة، ولا يظهر في ذلك اختلاف بين آبائنا "، وقد وقع النزاع بإنكار الغريم فوجب عليهما الرجوع إلى ما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لم يهتديا إليه ولم يتفقا عليه وجب الرجوع إلى ما أثبت الله تعالى في كتابه، ورسوله في سنته صلى الله عليه وآله من التحاكم إلى العدل الذي يحكم بما أنزل الله، وهو القسط حيث قال تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}[النساء:58] وحيث قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ...}[المائدة:49] الآية، وحيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((القضاة ثلاثة...)) الخبر، ونحوه.
وأما إذا لم يتمرد فإن له حق القضاء إجماعاً، ألا ترى أنه لا يظهر اختلاف أن الحاكم لا يقضي الغرماء شيئاً من مال الغريم إلا إذا تمرد! وإذا كان له حق القضاء فإسقاط حق الغير ظلم كسائر الحقوق الثابتة من نحو ولاية النكاح.
وأما إذا كان الحاكم موجوداً فلأن حق القضاء قد انتقل إلى الحاكم بلا خلاف أعلمه بين الأمة، وإسقاط حق الحاكم ظلم كما ذكرناه الآن.
وأما إذا كان المأخوذ [في الدين] قيمياً فلا يخلو إما أن يأخذه عن دين مثلي أو عن دينٍ قيمي كالمهر إذا جعل عبداً في الذمة مثلاً.(1/235)
إن كان الأول: وهو أن يأخذه عن دين مثلي فذلك بيع إجماعاً، وقد قال تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[النساء:29]، والتراضي مع الاستقلال بالأخذ مفقود؛ ولأنه لا يلزم الغريم في ماله إلا مثل الدين المثلي بدليل أنه إذا امتنع صاحب الدين من أخذ شيء غير ذلك كان له ذلك لقوله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}[النحل:90]، وليس من العدل أن يكلف على أن يأخذ غير دينه الذي يستحقه على أنه لا يظهر في ذلك بين المسلمين اختلاف.
وإن كان الثاني: وهو أن يأخذه عن دينٍ قيمي كالمهر فإن أخذ من غير جنس المسمى فالكلام فيه كالأول، وإن أخذ من جنسه أدى إلى التنازع والشجار وذلك من الفتنة.
وأما إذا كان الأخذ يؤدي إلى إثارة الفتنة بينهما فلما في ذلك من نقض الغرض من نصب الحكام؛ لأنه لا فائدة في ذلك إلا درأ الفتنة ودفع التظالم؛ لأن المعلوم من الدين ضرورة أنه لا يجب التحاكم إذا أمن ذلك بوقوع التراضي بين الخصمين. والله أعلم.
هذا واعلم أنه لا يظهر اختلاف إذا كان الحاكم موجوداً وكان من المحقين يأخذ للمظلوم من الظالم في أنه لا يجوز لصاحب الدين أن يأخذ بدينه من مال الغريم ولو كان متمرداً من دون حكم الحاكم، وقد وقع الخلاف إذا كان متمرداً ولا حاكم ينصف للمظلوم من الظالم، والصحيح ما ذكرناه للأدلة المذكورة.(1/236)