المسألة السادسة: من أنطق الناس ومن خلق الكلام؟
ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة، فقال: أخبرونا عن الناس، من أنطقهم؟ والكلام من خلقه؟
فإن قالوا: الله؛ فقد انتقض قولهم، وذلك لأن الكلام يكون فيه الصدق والكذب والتوحيد والإشراك، وأعظم الكذب الشرك بالله والتكذيب والافتراء عليه؛ وإن أنكروا أن يكون الله خلق المنطق والكلام فذلك الكفر والشرك بالله والتكذيب بما جاء به من عنده، فقل: خبرونا عن قول الله إذ قال في كتابه: ?وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ?[فصلت:21].
تمت مسألته
[جوابها:]
وأما ما سأل عنه مما ضل فيه ونسبه إلى الله وقال به من المنكر عليه، فقال: خبرونا عن الناس من أنطقهم؟ وعن الكلام من خلقه؟
فنقول: إن الله أنطقهم كما هداهم، وهداهم كما بصرهم، وبصرهم كما أسمعهم، وأسمعهم كما مشاهم، وأمشاهم كما أبطشهم، وأبطشهم كما أقامهم، وأقامهم كما أقعدهم، وأقعدهم كما أشمهم، وأشمهم كما أنكحهم، فلم يكن منه في ذلك كله فعل غير خلق الأداة؛ خلق الرِجل للمشي فمشى، وخلق الأذن للسمع فسمع، وخلق الأنف للشم فشم، وخلق العين للنظر فنظر، وخلق الفرج للنكاح فنكح، فما ناله الإنسان من تلك الأدوات فهو من فعله، وليس مِن فعل الله فعلُ عبده؛ الله خلق الفرج امتناناً عليه به لينال به من الشهوة ما نال، وفعل العبد فهو النكاح. فهل يرى الحسن بن محمد - الوسن الجاهل - بقول غير ذلك، أو يقدر على نقض حرف مما شرحنا أو به قلنا واحتججنا والحمد لله الواحد الأعلى.(1/403)


وكذلك كان فعله سبحانه في إنطاقهم، خلق لهم الألسنة واللهوات، وما يكون به الكلام من الآلات، ثم أمرهم أن يذكروه ويسبحوه، فقال سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه: ?فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وإن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ?[البقرة:198]، وقال: ?فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ?[البقرة:152]، ونهاهم عن أن يقولوا عليه غير الحق، فقال: ?وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إلا الْحَقِّ?[النساء:171]، فجعل لهم سبب القول فيه، ونسبه إليهم، ولم ينسبه إليه، وجعله - جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله - عن افترائهم عليه، ولو كان الكلام من فعله، وكان الناطق به على ألسنتهم، لكان هو القائل في نفسه ما أنكره عليهم، من ذلك قول فرعون: ?أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى?[النازعات:24]، وقول الكافرين لكتاب رب العالمين: ?أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ?[المؤمنون:83]، و ?هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ?[الأحقاف:11]، ومن ذلك ما قالوا للأنبياء المطهرين صلوات الله وبركاته عليهم أجمعين، وما رموهم به من السحر والجنون، قال الله تعالى: ?كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ?[الذاريات:52]. أفترى الجاهل المفتري، الظالم لنفسه الغوي، يقول: إن الله سبحانه كذب أنبياءه ورماهم بما قال الكافرون من السحر والجنون فيهم، وحمل الكافرين على أن يسيئوا بهم الظنون، وينسبوا إليهم الكذب والسحر والجنون؟! بل كيف ينطقهم بالتكذيب لهم والافتراء عليهم، وهو يأمرهم بالطاعة لهم، ويعطيهم الجنان على الإيمان بهم؟ فقال سبحانه: ?سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ(1/404)


يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ?[الحديد:21]، وقال: ?وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ?[الحديد:19]؛ كذب القائلون على الله بذلك، ووقعوا عنده في المهالك، فسبحان الرؤوف الرحيم، العدل الجواد الكريم.
وأما ما سأل عنه مما التبس عليه، وتحير فيه لقلة العلم بالله فيه، من قوله سبحانه: ?وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ? [فصلت:21]، فتوهم أن معنى: ?أَنطَقَنَا اللَّهُ? هو: تكلم علينا وقال ما قلنا، وليس في ذلك كذلك، بل هو على ما شرحناه أولاً. ومعنى ?أَنطَقَنَا اللَّهُ?: أي جعل فينا استطاعة ننطق بها، وأذن لنا بالنطق فنطقنا، وشهدنا حينئذ بما علمنا. ولو كان الله الذي فعل الكلام بعينه، وولى قوله بنفسه دون غيره، لقالت جلودهم: نطق الله علينا فيكم، وشهد هو لا نحن عليكم، وتكلم علينا بما علم منكم؛ تعالى الله عما يقول المبطلون، ويضيف إليه الملحدون. وليس إنطاقه إياها في الآخرة إلا كإنطاقه للألسنة في الدنيا والآخرة، وليس إنطاقه للألسنة إلا كإسماعه السمع، فلما جعل في السمع استطاعة على أن يسمع سمع. وكذلك العين واليد والرجل؛ والعين الله خلقها، والنظر إلى الأشياء فعل العبد؛ واليد الله خلقها، والإنسان يبطش بها؛ والرجل فالله خلقها، والإنسان بها مشى. فمن الله سبحانه خَلْقُ الأدوات وإيجاد الآلات في الأبدان؛ وما تفرع منها فمن أفعال الإنسان، وذلك ولله الحمد والمن فيين الشأن لمن عرف الله على حقيقة العرفان.
تم جواب مسألته(1/405)


المسألة السابعة: من خلق الحركات؟
ثم أتبع ذلك المسألة عن الحركات، فقال: من خلقها؟
فإن قالوا: الله خلقها؛ كان ذلك نقضاً لقولهم، وذلك أن كل عمل من خير أو شر، طاعة أو معصية، إنما يكون بالحركات. فإن قالوا: إن الله لم يخلقها؛ فقد أشركوا بالله، وذلك ابتلاء عمل، لأنه لا يتم خلق الإنسان إلا بالحركة.
تمت مسألته
[جوابها:]
وأما ما سأل عنه فقال: من خلق الحركات اللواتي تكون من الخلق في الحالات؟
فنقول: سبحان الله الرحيم، العدل الجواد، البريء من أفعال العباد، المقدس عن القضاء بالفساد، كما قال في نفسه ذو الأياد: ?إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ?[الأعراف:28]، ثم نقول: إن بين أفعال الله وأفعال خلقه فرقاً بيناً، وأنه واضح في الخلق عند من أراد معاني الحق. فأفعال الله متتابعات متلاحقات في كل شأن، وأفعال المخلوقين ذوي العجز المربوبين فغير متلاحقات، بل هن عن التلاحق عاجزات، وآخر أفعال الله بأولهن لاحق، وأولهن لآخرهن غير سابق. فأفعال الخالق موجودات معلومات، ثابتات متجسمات، وأفعال الخلق فزائلات غير موجودات، بل هن في كل الحالات معدومات، وفي ذلك والحمد لله من البيان ما فرَّق عند ذوي العلم والإتقان بين أفعال الخالق ذي البقاء والجلال، وبين أفعال الخلق ذوي الفناء والزوال.(1/406)


ألا ترى وتسمع كيف أكذب الله من نسب أفعال العباد إلى ربه؟ فأكذبه سبحانه، ونفاها عن نفسه، حين يقول: ?وَإذا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إن اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ?، وقال: ?وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ?[الزمر:60]، أفظن من جهل وعمي أن الله فعل كذبهم عليه، ثم رماهم به وقال إنهم قالوه فيه؟ فمن يا ويحه إذا الكذوب المبطل، الظالم المتعدي، الغشوم المدغل؟ من قال وفعل؟ أم من لم يقل ولم يفعل؟ أما سمع الحسن بن محمد قول الجليل، وما حكى في أوضح التنزيل، عمن ظلم وجار وأساء، وفعل فعلاً ثم رمى به إلاهه واعتدى من قصي بن كلاب، ومن به اقتدى ممن سلك مسلكه وتبعه، وشرع في ذلك مشرعه، فسنَّ لقريش سنة اتبعتها، واقتدى جميع العرب بها، فبحر لهم البحائر، وسيب لهم السوائب، ووصل لهم الوصائل، وحمى لهم الحام، فكانوا على ذلك حتى ظهر الإسلام، وأكرمهم الله بمحمد عليه السلام، فقال الله سبحانه في ذلك، ونفى عن نفسه ما رموه به من ذلك، وألزمهم فعله، وبرأ منه تبارك وتعالى نفسه، فقال: ?مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ?[المائدة:103].
أَفَترى الحسن بن محمد، ومن استجهله فقال بقوله وذهب مذهبه، يقولون لله إذ نفى ذلك من فعلهم عن نفسه: بل أنت فعلته فيهم وخلقته وركبته لديهم، وأدخلتهم فيه، وقضيته عليهم؟ لقد كذبوا إذا الرحمن العلي الأعلى، وصدقوا قريشاً الجاهلية الجهلاء، وكفروا بالله كفراً يقيناً، واحتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.(1/407)

81 / 172
ع
En
A+
A-