مسألة من مسائل النَّباعي
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين وعلى آبائهم الطاهرين:
سألتَ عن قول الله عز ذكره وجلت أسماؤه: ?أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا?، فقلتَ: ما الطيبات في هذه الدنيا؟ أهو ما يتنعم به الناس ويلبسونه من صالحيهم وطالحيهم؟ وأن من لبس الثياب السرية، وأكل الطعام الفايق، وركب الخيول حلالاً كان أو حراماً فقد أذهب طيبات الآخرة بما أطلق لنفسه من استعمال طيبات الدنيا؟(1/843)
فأما الكافر وأسبابه فقد استغنينا عن الفتش عن أمره بما قد قر عندنا في حاله، كثرت دنياه أو قلّت، فمصيره إلى النار. وأما المومن به، والعامل بطاعة خالقه، المتحري في أمره لما أمره به خالقه، فكيف تكون تلك حاله وإنما جعل الله الطيبات للمؤمنين خالصة دون الفاسقين، فقال في كتابه عز وجل لأنبيائه عليهم السلام: ?يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا?[المؤمنون: 51]، وقال في كتابه: ?قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ?[الأعراف: 32] ومعناها: ويوم القيمة، وقال في كتابه: ?لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إذا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ?[المائدة: 93]، فلم يجعل الله سبحانه على المؤمنين حرجاً في شيء مما رزقهم، إذا أخذوه على ما جعل لهم وأمرهم به؛ فساروا فيه بطاعة الله، ولم يتعدوا إلى شيء مما يسخط الله؛ لأن الله عز وجل - أيها السائل - لم يجعل ما في هذه الدنيا من خيرها ومراكبها التي خلقها لشرار أهلها، ولا لمن عَنَدَ عن طاعة خالقها، وإنما جعلها الله للصالحين ولعباده المتقين، يأمرون فيها بأمره، وينهون فيها عن نهيه، ويقيمون أحكامه فيها، منفذون لأمره عليها، فللطاعة والمطيعين خلقها رب العالمين، ثم أمرهم ونهاهم، وبصرهم غيهم وهداهم، وجعل لهم الاستطاعة إلى طاعة مولاهم، ?لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وإن اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ?.(1/844)
وأما معنى الآية وقول الله: ?أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا?، فتبكيت منه سبحانه لأهل النار، وتوقيف على تفريطهم في طاعة ربهم، ومعنى: ?أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ?، أي تركتم ومحقتم وعطلتم ما جعل الله لكم بالطاعة من النعيم المقيم والخلد مع المتقين في الثواب الكريم بارتكابكم للمعاصي، وترككم للطاعة؛ حتى خرجتم مما جعل الله للمطيعين، وصرتم إلى حكم الفسقة الكافرين في عذاب مهين، فهذا معنى: ?أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ?.
تمَّ والحمد لله حمداً كثيراً، وصلواته على محمد وآله الذين طهرهم من الرجس تطهيراً.(1/845)
مسألة لأبي القاسم محمد بن يحيى عليهما السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
قال يحيى بن الحسين عليه السلام:
سألتَ يا بني، أرشدك الله وهداك، عمن قذف مملوكاً أو مملوكة مسلمة، فقلت: هل يجب عليه حد كما يجب على من قذف حرة مسلمة؟
وقد اختلف في ذلك، فقال قوم: يجب عليه الحد إذ قذف حرة مسلمة كانت أو أمة، وكانت حجتهم في ذلك، يزعمون، قول الله تبارك وتعالى: ?وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً?[النور: 4]، فقالوا: المحصنات هن العفايف المسلمات حرائر كن أو مملوكات، واحتجوا في ذلك بقول الله تعالى: ?وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا?[التحريم:12]، وبقوله سبحانه: ?مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ?[النساء:25]، فقالوا: هن العفايف الصالحات.
وقال قوم: لا يجب الحد إلا على من قذف حرة مسلمة.(1/846)
والحجة في ذلك، يا بني، فنيرة عند أهل العلم واضحة ظاهرة، وفي كتاب الله ساطعة، قال الله سبحانه: ?وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً?[النور: 4]، فنظرنا في الإحصان ما هو، فوجدناه على أربعة معان: إحصان الإيمان، وإحصان التزويج، وإحصان الحرية، وإحصان العفة. فلما كان ذلك كذلك اختلف الناس في التي يجب الحد في قذفها أهي المحصنة بالإيمان، أم المحصنة بالحرية، أم المحصنة بالعفة والحرية معاً؟ فلم يكن عند القوم في ذلك حجة قاطعة تجمعهم فيه على مقاله واحدة، فافترقوا في ذلك على ثلاثة أقاويل، إذ لم يعرفوا لقول الله وحكمه في ذلك تأويلاً، فقال قوم: لاحد إلا على من قذف حرة محصنة بالإيمان. وقال قوم: بل الحد أيضاً على من قذف أمة محصنة بالعفة والإحسان. وقال قوم: بل الحد أيضاً على من قذف ذمية محصنة بالعفة، والحد يقع بإحصان العفة، فكل عفيفة عن الزنى مجنبة عن هذا المعنى، كائنة من كانت من حرة أو أمة أو ذمية معاهدة فعلى قاذفها الحد الذي جعله الله في قذفها.(1/847)