معراج النبي صلى الله عليه وآله
وسألت عما روي من صعود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء فقلت: أكان نائما أو يقظان؟
وإذا صح ذلك وثبت، فلا يكون نائماً أبداً، ولا يكون إلا يقظان فهماً؛ لأنه، إن كان ذلك كذلك، فإنما أراد الله بإرقائه إلى السماء التعبير له والكرامة، وليريه من عجائب خلقه وعظيم فعله ما حجبه عن غيره ولم يكرم به سواه. فإذا كان نائماً في ذلك كله، فلم ينتفع بشيء مما صعد إلى السماء له، ولم يرى شيئا مما ينتفع به، فلذلك استحال أن يكون نائماً، كما قال من جهل.(1/833)
معنى قوله تعالى: ?فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى?
وسألت عن قول الله سبحانه: ?فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى?[النجم: 9]؟
الجواب: أن الذي صار قاب قوسين أو أدنى هو جبريل صلى الله عليه، فكان في هذا الموقف قد دنى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صورته التي هو عليها مع الملائكة المقربين، حتى كان من الرسول قاب قوسين أو أدنى. ومعنى قاب قوسين: فهو مقياس رميتين بالقوس في الهواء. فدنا منه صلى الله عليهما حتى كان في الموضع الذي ذكره الله تبارك وتعالى فيه: ?فَأَوْحَى إلى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى?[النجم: 10]، مما أرسله الله به من الأشياء، فهذا تفسير ما عنه سألت من قوله: ?قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى?[النجم:9].(1/834)
الأعجمي لا يحسن إلا سورة أو سورتين
وسألت عن عجمي لا يحسن إلا سورة أو سورتين من القرآن، فقلت: هل يجزيه إذا عرف أصل التوحيد؟
فلعمري أن ذلك مجز كاف، إذا أقام بالسورتين أو الثلاث ما أمره الله به من الصلاة بحدودها، وأدى ما أوجب الله من ركوعها وسجودها، وكان في ذلك موحداً لربه، عارفاً مع ذلك لعدله، مصدقاً لوعده ووعيده، عارفاً بالحق وأهله، تاركاً لمعاصي ربه، مؤدياً لفرائض إلهه، فإذا كان كذلك، فهو من المسلمين، وعند الله - إن شاء الله من الناجين - ولم تضره عجمة لسانه إذا أقام له قلبه دعائم أديانه.(1/835)
تعلم النساء
وسألت عن النساء: إذا عرفن الله وأدَّين الفرض، فقلت: هل يجزيهن ذلك عن تعليم القرآن وفرائض الله الرحمن؟
الجواب: في ذلك أنه لا بد للنساء والرجال من معرفة ما أوجب الله فرضه من الأعمال وأوجب على الخلق القيام به من الأفعال، إلا ما طرحه الله عن النساء من الجهاد والسعي إلى الجمعة، وما أشبه ذلك من الأشياء، وأنه لا يجوز لهن التقصير عن معرفة ما أوجب الله عليهن معرفته، والعمل بما أوجب الله عليهن العمل به، وعليهن أن يتعلمن ويتفقهن، ولا يجوز لهن أن يتعلقن بالجهل المنهي عنه، ولا يتمادين في شيء منه.
تمت المسائل وجوابها، والحمدلله حمداً كثيراً، وصلواته على سيدنا محمد وآله الذين طهرهم من الرجس تطهيراً.(1/836)
من مسائل محمد بن عبيدالله
موالاة الظالمين
قال محمد بن عبيدالله رحمة الله عليه:
سألت الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عن موالاة الظالمين؛ فقال:
لا تجوز موالاة الظالمين لأحد من المؤمنين. وموالاتهم فهي مودتهم ومحبتهم؛ لأن الله سبحانه يقول: ?لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ?[المجادلة: 22] الآية، فحرم الله تعالى موالاتهم ومحبتهم، ولم يطلق للمؤمنين الانطواء على شيء من إضمار المودة لهم، وفي ذلك يقول عز وجل: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ?[الممتحنة: 1] الآية، فمن انطوى وأضمر محبة ظالم فقد خرج من دين الله، وليس من المؤمنين بالله، ولا تجتمع معرفة الله ومحبته وموالاته مع مودة أعداء الله ومحبتهم؛ لأن الله عدو للظالمين، والظالمون أعداء لرب العالمين، ولن يجتمع ضدان معاً في قلب مسلم.(1/837)