التزوج من امرأة لا تعرف الدين
وسألت: عن الرجل يتزوج امرأة لا تعرف الدين، ومذهبها على خلاف مذهبه، وهي في فن سوى فنه، فعلَّمها ما يجب عليها من دينها، وما هو الحق اليقين عند ربها، فلا تتعلم ولا تقبل ولا تفهم، فقلت: هل يجوز له أن يمسكها على ذلك؟
فالواجب عليه أن لا يبقي غاية في نصحها والتأني بها، وتعريفها وتفهيمها، فإن عرفت وفهمت، وتابت ورجعت، فذلك الواجب عليها، وإن أبت الدين، ولجّت في مخالفة اليقين، فلا يجوز له إمساكها، ولا يسعه الإفضاء اليها حتى ترجع إلى الحق الذي افترضه الله الواحد الخلاق، أو يوقع - إن غلبته بينه وبينها - الواجب على مثلها من الفراق.(1/828)
حمل العرش
وسألت عن قول الله سبحانه: ?وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ?[الحاقة: 17]؟
ومعنى العرش: فهو الملك، والملك: فهو ما خلق الله وذرأ في الآخرة كلها والأولى، وما فيها من جميع الأشياء.
ومعنى ثمانية: فهو لا يخلو من أن يكون ثمانية أصناف من الملائكة، أوثمانية آلاف.
وحملها للعرش الذي هو الملك فهو قيامها فيه ونهوضها. وقيامها به فهو أمرها ونهيها، وإنفاذ أمر ربها، وإيصال الثواب إلى المثابين، والعقاب إلى المعاقبين، وما يكون من فعل الله في ذلك اليوم في المخلوقين. فأخبر سبحانه أنه يقوم بحساب الخلق في ذلك اليوم، وإيصال ثوابه وعقابه إليهم، وإنفاذ جميع أمره فيهم هذه الثمانية التي ذكرنا أولا كانت من الملائكة آلافاً أو أصنافاً.
ومعنى قوله فوقهم: فهو منهم، غير أن (فوق) قامت مقام (مِن)؛ لأنها من حروف الصفات، فهما يعتقبان؛ أراد سبحانه: ويحمل عرش ربك منهم ثمانية، ومعنى منهم: فهو من الملائكة.
فأخبر أن الثمانية هم القائمون بأمر الله في ذلك اليوم ونهيه، وجميع ما يكون من فعله في خلقه، دون غيرهم من الملائكة المقربين، وقد شرحنا تفسير هذه الآية في كتاب على حده شرحاً مبيناً، مفسراً مستغنياً بما مضى في الكتاب عن تكراره في هذا الموضع من شرح [ذلك]، وذلك كفاية لمن فهم واهتدى لمعرفة ربه فعلم.(1/829)
شرط مصالحة النبي لنصارى بني تغلب
وسألت عما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صالح أهل الكتاب على أن يكون أولادهم مسلمين، لا يعلِّمونهم اليهوديه ولا النصرانية، وقلت: قد نقضوا العهد، فهل للإمام أن يبدئهم؟
وقلت: إنه يقال إنهم الذين عنى الله بقوله: ?قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ?[التوبة: 123]، دون غيرهم.
واعلم هداك الله: أن اليهود ليسوا في شيء من هذا، وإنما أولئك الذين صالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن لا يصبغوا أولادهم، ولا يدخلوهم في شيء من أديانهم، هم نصارى بني تغلب دون غيرهم من النصارى. وذلك أن بني تغلب عرب، وليسوا من بني إسرائيل، فأَنفوا حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجزية من جميع أهل الذمة، فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ منهم كما يأخذ من العرب العشر، فأخبرهم صلى الله عليه وآله وسلم أن العشر لا يكون إلا صدقة، وأن الصدقة لا تؤخذ إلا من أهل الصلاة؛ لأنها تطهرة لهم وتزكية، فسألوه أن يأخذ منهم ضعفي ما يأخذ من المسلمين على طريق الصلح لسلامة أنفسهم ونجاة رقابهم، لا على طريق الزكاة والتطهرة، فصالحهم صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، وعلى أن لا يصبغوا أولادهم، وأن يكون أولادهم بعدهم مسلمين. فأخذ منهم من أموالهم في كل أربعين شاة شاتين، وفي كل ثلاثين بقرة تبيعين أو تبيعتين، وفي الإبل في كل خمس شاتين، وفيما يكال الخمس مما سقي سيحاً أو بماء السماء، أو العشر فيما سقي بالسواني أو الدوالي والخطارات، وفي النقد من الذهب في كل عشرين مثقالاً مثقالاً، وفي مائتي درهم من الفضة عشرة دراهم، نصف العشر من الذهب والفضة، أضعف عليهم ما يجب على المسلمين من الزكاة المفروضة. وشرط عليهم أن لا يدخلوا أولادهم في شئ من دين اليهودية ولا النصرانية، وعلى ذلك أعطوا العهد. فواجب على أهل الحق إذا أعلى الله كلمتهم أن تُسبى نساؤهم، وتقتل(1/830)
رجالهم، وتؤخذ أموالهم، إلا أن يدخلوا في الإسلام كلهم، فيرى رأيه؛ لأن القرن الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفوا له بعهده، فانتقضت عهودهم، ووجب ما ذكرنا من الحكم عليهم. غير أن الباطل قد شمل وظهر، والمنكر قد علا وقهر، وعطلت الأحكام، ودرس الإسلام، وظهر الفسق، ومات الحق، فإلى الله في ذلك المفزع والمشتكى، عليه توكلنا وهو العلي الاعلى.(1/831)
تبيين من المراد بقوله تعالى: ?قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ?التوبة:123
فأما ما ذكرت من أنهم الذين قال الله سبحانه: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ?[التوبة: 123]، فغيرهم أَوْلى بهذه الآية منهم من هو أقرب إلى الإسلام، وأضر على دين محمد عليه وآله السلام من أولئك الكفرة الطغام. و?الَّذِينَ يَلُونَكُم?، فهم الذين بينكم ومعكم ممن يدعي الإسلام وهو كافر بالله ذي الجلال والإكرام، كاذب فيما يدعيه، ثابت من الكفر فيما هو عليه من جبابرة الظالمين، وفراعنة العاصين، الذين قتلوا الدين، وخالفوا رب العالمين، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، واتنهكوا محارمه، ولم يأتمروا بأمره، ولم ينتهوا عن نهيه، وحاربوه في آناء الليل وأطراف النهار. فراعنة ملاعين، جورة متكبرين، لا يحكمون بكتاب الله، ولا يقيمون شيئاً من شرائع دين الله، قد قتلوا الإسلام والمسلمين، وأضاعوا الأيتام والمساكين، واستأثروا عليهم بأموالهم، فمات الخلق هزلا في دولتهم. لا في أمور المسلمين ينظرون، ولا إلى الله يرغبون، ولا عذابه يخافون، ولا ثوابه يرجون. معتكفين على اللهو والمزامير، والضرب بالمعازف والطنابير. هِمَمُهم هِمَمُ بهائمهم: ما واروه في بطونهم، أو باشروه بفروجهم، أو لبسوه على ظهورهم. بغيتهم إذلال الحق والمحقين، وشأنهم إظهار الفسق والفاسقين، ومعتمد أمرهم مكايدة رب العالمين.
فهؤلاء - يرحمك الله - ومِثْلهم وأعوانهم، وخدمهم وأصحابهم وشكلهم، أولى بالمجاهدة والقتال من نصارى تغلب الأنذال؛ لأن هؤلاء أضر بالإسلام وأهله وأنكى. ومن كان كذلك من العباد فهو أولى بالجهاد، لضرره على المسلمين والعباد. فافهم ما ذكرنا من تفسير خبرهم، واجتزينا بالقليل من ذكرهم، فإن لك في ذلك كفاية وشفاء، ودليلاً على ما سألت عنه وجزاء.(1/832)