خروج أكثر من إمام في عصر واحد
وسألت عن الأئمة: يخرج واحد واثنان، وثلاثة وأربعة، في عصر واحد يكونون أكفياء، زعمتَ، في العلم والجسم والورع، فقلت: من المستحق منهم؟
واعلم رحمك الله أن الأمر لأفضلهم فضلاً، وأبرعهم معرفة وعلماً.
فإن قلت: قد استووا في ذلك، فلن يستووا ولن يشتبهوا عند من جعل الله له لباً وتمييزاً وفهماً، وذلك أنهم إن استووا في الورع فلن يستووا في العلم، وإن استووا في العلم فلن يستووا في سائر الخصال، وإن التبس أمرهم في ذلك عند الجهال لم يلتبس أمرهم في التعبير والكلام، والتبيين والشرح لشرائع الإسلام، فيكون أولاهم بالإمامة - وإن اشتبهوا في العلم والورع والمعرفة - أجودهم شرحاً وتبييناً وأهداهم إلى تفهيم الرعية ما تحتاج إليه، وما لا غنى بها عنه، ولا عذر لها فيه. فمن كان له الفضل في شيء مما ذكرنا، كان أحق الجماعة بالإمامة من ربنا. فافهم ما قلنا وتبين في مسألتك ما شرحنا.(1/823)
من هم أهل الأعراف؟
وسألت عن قول الله سبحانه: ?وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ?[الأعراف: 46].
الجواب: في ذلك أن الأعراف: هو ما ارتفع من الأرض وعلا، وشمخ منها في الهواء، فتلك أعراف الأرض. والرجال التي عليها في يوم الدين فقد قيل: إنها رجال من المؤمنين، وقيل: إنها الحفظة التي كانت من الملائكة المقربين، حفظة في الدنيا على العالمين التي قال الله في كتابه وذكرهم وما بيَّن من حفظهم لمن كان من الخلق معهم، حين يقول: ?عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ?[ق:] وهذا فأشبه المعنيين عندي، والله أعلم واحكم.
ومعنى: ?يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ?: فهو معرفة أولئك الحفظة لمن كانوا يحفظون.
ومعنى يعرفون: فهو يتعرفون ويتفهمون، حتى يوقنوا بهم ويعرفوهم، ويقفوا عليهم ويثبتوهم معرفة.
ومعنى بسيماهم: فهو بحليتهم التي كانوا يعرفونها في الدنيا، ومعناهم في صفاتهم وخلقهم، وبنيتهم المعروفة من صورهم.(1/824)
رفع اليدين في الصلاة
وسألت عن رفع اليدين في التكبير؟
وهذا أمر لا يجيزه في الصلاة علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الصلاة إنما هي خشوع وتذلل لذي الجلال والطول. وإرسال اليدين والكف عن رفعهما أكبر في الدين لصاحبهما. وقد قيل إن رفع اليدين فعل جاهلي كانت قريش تفعله لآلهتها وأصنامها، عند الوقوف تجاهها والسلام منهم عليها، فإن يكن ذلك كذلك والله أعلم، فلا ينبغي ولا يجوز لمسلم أن يفعل ما يُفعل للأصنام مع ما في ذلك من قلة الخشوع لله؛ لأن الصلاة التي فرضها الله فرض معها الخشوع والتذلل، فلما كان ترك رفع اليدين في الصلاة إلى الخشوع أقرب، ففعله دون غيره على المصلي لله أوجب.(1/825)
تفسيرقول الله تعالى: ?إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ? وحكم صلاة الليل
وسألتَ عن قول الله سبحانه: ?إن رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ?إلى قوله ?.... فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ?[المزمل: 20]، فقلتَ: إن بعض الناس زعم أن هذا فرض من الله، وقال بعضهم: نافلة.
واعلم رحمك الله أن الله عز وجل لم يعنِ بما ذكر في الصلاة في أول هذه السورة وآخرها إلا صلاة العتمة المفروضة، فجعل الرخصة فيها لمن كان ذا علة، من مرض أو عرض، أو سفر أو خوف، فجعل هذه الأوقات لمن كان كذلك وقتاً. ألا تسمع كيف يقول سبحانه: ?عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ?[المزمل: 20]، فأوجب على كل مريض وعلى كل مسافر وعلى كل مجاهد فعل ذلك، وإقامة الصلاة في هذه الأحوال كلها، ولا يجب ما أوجب الله من ذلك على من كان من الخلق كذلك إلا وهو فرض مؤكد، وأمر مشدد. ولا يُعرف لله في الليل فرض صلاة مفروضة إلا ما ذكرنا من العتمة والعشاء، وقد شرحنا ذلك وفسرنا، واستقصينا فيما شرحنا من تفسيره في سورة المزمل.(1/826)
عدم ثبوت التراويح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وسألت عما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه صلى التراويح في شهر رمضان ليلة واحدة، ثم أمر الناس بالانصراف إلى بيوتهم.
وقد روى ذلك بعض الناس وذكره، ولسنا نصحح شيئاً من ذلك ليلة ولا ليلتين، ولا نعرفه عنه ولا نرويه، ولم يبلغنا أنه صلى بالناس صلى الله عليه وآله وسلم تراويحاً ليلة ولا ليلتين، ولاساعة ولا ساعتين، ولا ركعة ولا ركعتين، ولم يروه أحد من علمائنا، ولم يأثره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد من آبائنا، ولو كان ذلك شيئا كان منه لروته آباؤنا عن آبائها وجدودها، ولما سقط عنهم شيء منه، ولأتوا به مصححاً عنه.(1/827)