أخذ الجزية من العروض
وسألت فقلت: أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ من أهل الذمة ثوباً عسكرياً وغيره من العروض من الإنسان منهم؟ ومن أين جاز أن يؤخذ اليوم منهم ثمانية وأربعون درهماً، وأربعة وعشرون، واثنا عشر؟
القول في ذلك: أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم لما أمره الله بأخذ الجزية من جميع أهل الذمة أخذ منهم ما أمر به، فكان ما أمر به أن يأخذ من ملوكهم ثمانية وأربعين درهماً، ومن أوساطهم أربعة وعشرين درهماً، ومن فقرائهم اثني عشر. ولم يكن في دهره ولا في أرضه ولا في دار هجرته في ذلك الوقت من ملوكهم أحد، وكان كل من كان معه في دار هجرته فقراء وأوساطاً، أصحاب اثني عشر وأربعة وعشرين، وكانت الدارهم تعسر بهم، ولا يتهيأ في ذلك الوقت معهم، فكان يأخذ منهم عروضاً من ثياب وغيرها بالقيمة التي يقومها من يفهمها ويبصرها. وكذلك فعل من كان بعده أخذوا من أهل الجزية حين وصلوا إلى أهل اليسارة منهم أخذوا الثمانية وأربعين درهماً التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله، وأمر بها فيهم بأمر الله، وكذلك أيضاً لو عسرت اليوم عليهم الدارهم لأخذنا من كل إنسان من تجارته وبضاعته عرضاً بقيمة الدراهم، إذا صح عسرها عليهم، وثبت امتناعها منهم.(1/818)


كلام أهل الجنة لأهل النار
وسألت عن كلام أهل الجنة لأهل النار في قولهم: ?هَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ?. فقلتَ: أمثل هو مضروب، أم قول مقول؟ وقلتَ: هل يقرب بينهما حتى يكلم بعضهم بعضاً؟
واعلم - هديت ووفقت - أنه قول مقول منهم، وعمل معمول من فعلهم.
فأما ما سألت من القرب بينهم حتى يسمع بعضهم قول بعض، فليس ذلك كذلك فيهم، ولا ذلك فعل الله تبارك وتعالى بهم، وكيف يسمع أهل الجنة كلام أهل النار، وهم لا يسمعون حسيس النار. فحسيس النار أشد حساً وأبعد صوتاً من كلام أهلها الذين ذكر الله عنهم، وشرح سبحانه أنه يكون منهم، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: ?لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ?[الأنبياء: 102]، فأخبر أن المؤمنين لا يسمعون لها حسيساً، وأنهم عنها مبعدون. وإنما كلامهم لأهل النار، وكلام أهل النار لهم عند قولهم: ?أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ?[الأعراف: 50]، فهو بالرسائل التي تبلغها الملائكة عنهم، وتمشي بها بينهم، وذلك منها صلوات الله عليها فبإذن لها من الله فيه، وتقدير منه سبحانه لها عليه. وإنما جعلهم الله كذلك، وأذن لهم في ذلك؛ ليكون ذلك سروراً للمؤمنين، ومعرفة منهم بما نزل بالمكذبين الضالين، فيتجدد لهم بذلك البهج والسرور، وتكثف لهم به الغبطة والحبور، ويكون من علم أخبار المؤمنين، وما هم عليه من عطايا رب العالمين، حسرة في قلوب الكافرين، وعذاباً لهم مع عذاب النار، وأسفاً لما فاتهم من كريم القرار ونعيم الدار، التي جعلها الله ثواباً للأبرار. فافهم ما عنه سألت، وقف من الجواب على ما طلبت.(1/819)


اجتماع أهل البيت الواحد في الجنَّة
وسألت فقلت: هل ترد على المؤمنين أزواجهم اللواتي كن معهم في الدنيا؟
واعلم رحمك الله أنهن إن كن مؤمنات مثلهم، متقيات لله كهم، جمع الله بينهم في الآخرة الباقية، كما جمع بينهم في دار الدنيا الفانية. وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن ذلك فقال: نعم يجمع الله بين جميع أهل البيت إذا كانوا مؤمنين في دار ثواب المتقين.(1/820)


تفسير قول الله سبحانه: ?وإن يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ?
وسألت عن قول الله سبحانه: ?وإن يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ?[الحج (47]؟
والمعنى في ذلك فهو إخبار من الله سبحانه عن نفاذ قدرته، وإمضاء مشيئته، وسرعة فعله، يخبر سبحانه أنه ينفذ في يوم واحد ما ينفذه جميع الخلق إذا اعتونوا عليه في ألف سنة، من محاسبة المحاسبين، وتوقيف الموقفين على ما تقدم منهم من أعمالهم في دنياهم وحياتهم. فهذا معنى ما عنه سألت من قول الله سبحانه: ?وإن يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ?[الحج: 47].(1/821)


كيفية المناصفة بين العباد في الآخرة
وسألت عمن ظُلِم في الدنيا من دنانير أو دراهم، كيف يكون لحوقه لحقِّه من ذلك في الآخرة وليس في الآخرة دراهم ولا دنانير؟
القول في ذلك: إن الله سبحانه يعطي المظلوم إذا كان مؤمناً من الثواب على ما امتحن به من ذهاب ماله في الدنيا فيصبر لله سبحانه على ذلك صبراً حسناً، فآتاه من الثواب والجزاء أكثر مما لو رد إليه أموال الدنيا، ويعرفه سبحانه أن ذلك جزاء على ما كان من صبره، واحتسابه بما ذهب في الدنيا من ماله، ويستوفي له من ظالمه الفاسق الردي بالزيادة في العذاب الأليم، حتى يعلم الخائن أن ذلك نزل به خصوصية على مظلمة المؤمن، ويطلع الله المؤمن على ما أنزل بظالمه، ويعلمه أن ذلك الذي حل به من الزيادة في العذاب هو من أجل ما غصبه من ماله، فظلمه به في حقه.
فهذا حال المؤمن المظلوم، وحال الفاسق الظالم عند الجزاء في الآخرة التي تبقى.
فإن كان الظالم والمظلوم فاسقين، عذبهما على كفرهما وفسقهما، وزيد في عذاب الظالم من الفاسقيْن لصاحبه، حتى يعلم كلاهما أن تلك الزيادة نزلت بالظالم لتعديه في حكم ربه، وتناوله لما حرم الله عليه من ظلمه، ومنع منه من غشمه. فافهم، هديت، ما به قلنا، فيما عنه سألت وشرحنا.(1/822)

164 / 172
ع
En
A+
A-