فأما قوله: ?وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ?[الإسراء: 44]، فهو ذم لمن لم يعتبر، ويستدل بآثار الصنع في الأشياء، فقال: ?لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ?، يريد: لا تفقهون ما به من أثر الصنع فيها، الذي يوجب التسبيح للصانع والإجلال والتوقير، وكان ذلك ذماً لمن لا يعتبر ولا يتفكر، ولا يحسن التمييز في أثر صنع الله، فيعلم بأثر صنعه ما يستدل به على قدرته، ويصح لربه ما يجب بمعرفته من توحيده، والإقرار بربوبيته.
وأما قوله: ?وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ?[الرحمن: 6]، فقد قال بعض العلماء: إن معنى السجود سجود ظلال الأشياء ووقوعها على الارض. وقال بعضهم إن هذا على المَثَل يقول: إنه لو كان في شيء من الأشياء من الفهم والتمييز مثل ما جعل الله في الآدميين والشياطين والملائكة المقربين إذا لعبد الله كل شيء وسبحه بأكثر من عبادة الآدميين وتسبيحهم. فجعل هذا مثلاً كما قال سبحانه: ?إنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان انه كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ?[الأحزاب: 72] أراد تبارك وتعالى أنه لو كان في السموات والأرض والجبال من الفهم والتمييز ما في الآدميين، ثم عرض عليها ما عرض على الآدميين من حمل الأمانات التي قبلها الآدميون؛ لأشفقت السموات والأرض والجبال من حملها، ولما قامت بما يقوم به الآدمي من نقضها، مع ما في الأمانة من الخطر وعظيم الأمر على من لم يؤدها على حقها، ويقم بها على صدقها.(1/808)


والأمانة على صنوف شتى: فمنها قول الحق وفعله، ومنها أداء الشهادة على وجهها، ومنها أداء الحقوق إلى أهلها من النبيئين والمرسلين والأئمة الهادين، ومنها الوادئع من الأموال وغيرها، ومنها ودائع العهود والعقود من متابعة المحقين، ومعاهدة الأئمة القائمين، ومنها العقود التي قال الله تبارك وتعالى فيها وفيما عظم من خطرها وأجلَّ من أمرها: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ?[المائدة: 1]، فكل ما ذكرنا فهو أمانة عند العالمين، واجب عليهم تأديتها عند رب العالمين.
وأحسن ما أرى والله أعلم، وأحكم في تأويل قوله سبحانه: ?وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ?، أنه أراد بقوله يسجدان ومعنى يسجدان: فهو لما فيهما من التدبير، وأثر الصنع والتقدير لله الواحد القدير، فإذا رأى المعتبرون المؤمنون ما فيهما من جليل صنع الله وعظيم جعله لهما، وما سخرهما له وجعلهما عليه من جولان النجم في الأفلاك، تارة مصعداً، وتارة منحدراً، وتارة طالعاً، وتارة آفلاً، تقديراً من العزيز العليم، لما أراد من الدلالة على الدهور والأزمان، والدلالة على عدد الشهور والسنين والأيام للإنسان، فإذا رأى ذلك كله مسلم تقي، أو معتبر مهتد، سجد له بالمعرفة والإيقان، واستدل عليه سبحانه بذلك الصنع في كل شأن، فعبده عبادة عارف مقر، عالم غير منكر، فسجد له متذللاً عارفاً، مستدلاً عليه سبحانه بما أبصر من الدلائل في النجوم عليه.(1/809)


وكذلك حال الشجر، وما فيه من عجائب الصنع والتدبير، وما ركَّبه الله سبحانه عليه من التقدير في ألوان ثمارها وطعومها، واختلاف ألوانها، وهي تسقى بماء واحد، وتكون في أرض واحده، كما قال الله سبحانه: ?وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إن فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ?[الرعد: 4]، فكل ذلك من اختلافها دليل على قدرة جاعلها، ووحدانية فاطرها. فهذا أحسن المعاني عندي - والله أعلم وأحكم - في يسجدان: أنه يسجد من أثر الصنع فيهما، وأثر القدرة في تقديرهما كلُّ مؤمن عارف بالله، مقر بصنع الله وحكمته، يستدل عليه بأثر قدرته. فافهم ما به قلنا في قوله: ?يَسْجُدَانِ?، وتفكر فيما شرحنا، وميز قولنا يبن لك فيه الصواب، ويزح عنك فيه الشك والارتياب.(1/810)


علم العبد أنه صادق عند ربه
وسألت فقلت: متى يعلم العبد أنه صادق عند ربه؟
والجواب في ذلك أنه إذا علم من نفسه أنه مطيع لله غير عاص، صادق غير كاذب، وقائم بحجته غير مقصر، ومؤمن لنفسه من عقوبة ربه، بما يكون منه من طاعة خالقه، وترك جميع ما يسخط سيده، فهو - إذا أيقن من نفسه بذلك - صادق عند ربه، مقبول ما يكون من عمله محمود في كل فعله.(1/811)


وسألت عن لقاح العقل؟
ولقاح العقل فهو التجربة؛ لأن كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجربة ومضطر إليها، غير مستغن عنها.(1/812)

162 / 172
ع
En
A+
A-