وكيف يندفع عنه حكم الله الجاري عليه على يدي الإمام في أمر يلزمه الحكم عليه في الآخرة عند ذي الجلال والإكرام، والمعنيان كلاهما من الله حكم لازم على الفاعل؟ فكيف يلزم الله عبداً من عباده على فعل من أفعاله حكماً حكم به عليه، وجعله واجباً بفعله عليه في دار الآخرة الباقية، ويزيله عنه في دار الدنيا الفانية؟ فهذا ما لا يكون ولا يصح في العقول، بل كل ما كان عليه العبد من الفعل معاقباً في الآخرة فعقوبة الله له عليه في الدنيا لازمة، وما سقطت عقوبة الله عنه فيه في الآخرة كانت عقوبته ساقطة عن فاعله في الدنيا. ألا ترى كيف أزحنا عن الجاهل بالحلال والحرام، ومن لم يعرف ما تجري عليه فيه الحدود من الفعال العقوبة في الدنيا، بتركنا له وطرحنا عنه ما ألزمناه غيره ممن فهم أمرنا، ووقف على ما يلزم فيه أدبنا، وتجب به عليه حدود ربنا. وإنما طرحنا ذلك عنه ولم نحكم به فيه؛ لأن الله سبحانه أسقط عمن كان كذلك عقوبة الآخرة، فلما سقطت عنه عقوبة الله في الآخرة زالت عنه في الدنيا عقوبة الأئمة.
فافهم الفرق بين المعنيين، وقف بصافي فكرك ولبك على الحالين.
فأما ما يذكر عن جدي صلوات الله عليه محمد بن إبراهيم القائم بالكوفة، الذي صحبه أبو السرايا، من تخليته للسارق الذي خلاه، وتركه لم يقطع يده، وقوله في ذلك: (( لم يذق عدلنا فنجري عليه حكمنا.)).
وإنما أراد بقوله: (عدلنا) أي: تعليمنا وتفهيمنا، وتوقيفنا له على حلال الله وحرامه، حتى يعلم ما يجب به عليه القطع من غيره، وما يجب به عليه الحدود كلها.(1/803)


وكذلك فعلنا نحن أيضاً في بعض ما دخلنا من القرى، فأتينا بسكران من جانب المسجد، وكان ذلك في وقت ما دخلنا، فسألناه عن فعله فذكر أنه لم يعلم أنا نحرم الخمر، ولا أنا نحد عليها، ولا أنه يكون منا أدب فيها، فأزحنا عنه الحد بما أدلى به من جهله، وعرفنا له الحق علينا من أمره. وذلك أن سيرتنا والواجب علينا إذ دخلنا بلداً أن نكتب كتابا نبين فيه للأمة ما نقيم فيه الحدود عليها، ثم نقرأه عليها في أسواقها، ومساجدها، ومواضعها، ومجتمعاتها، فإذا أثبتنا ذلك لها، وأعذرنا وأنذرنا بالحق إليها، جرت بعد ذلك أحكام الله سبحانه عليها، ومضت حدوده سبحانه فيها. وإنما فعلنا ذلك لعلمنا بكثرة الجهال، وغلبة الضلال، وقلة الهدى، وتراكم الغفلة والهوى، وذلك لفقدان الدعاء، وعدم أهل التقوى، وبعد الأئمة الهادين، وقرب الأئمة الفاسقين، الذين لا يلزمون أنفسهم تعريف الأمة رشداً، ولا اكتسابها براً ولا هدى. فلما كانت أئمتهم كذلك، كانوا هم أشر من ذلك، فعموا عن الدين، وجهلوا فروض رب العالمين، ولم يعلموا حراماً من حلال، من قول ولا فعال. شابهوا أئمتهم في فعلهم، واقتدوا بهم في أديانهم، فهم بأديان أئمتهم يقتدون، وفي عمى كبرائهم يعمهون. لم يروا محدودا على حد فيخافوا ما ناله، ولم يروا مهتدياً فيتبعوا حاله. ضلاَّل أشقياء، متجبرون أردياء، قد غرقوا في الضلال المبين، وجنبوا عن طريق الحق واليقين. أتباعكل ناعق، سيقة كل سائق، لا يعرفون سبيل رشد فيتبعوه، ولا طريق هلاك فيتجنبوه. قد اتخذهم كبراؤهم سنداً، وجعلوهم لهم يداً، يطفئون بها نور الهدى، ويقتلون بها أهل التقوى، ويظهرون بها الفحش والردى، ويخملون بها نور الإسلام، ويظهرون بها أفعال الطغام، ويحاربون بها من دعى إلى دين محمد عليه السلام. يتبلغ الجبارون المتكبرون بأتباعهم المتحيرين، وينالون بهم معصية رب العالمين.(1/804)


فلما أن علمنا أن هذه حالهم، ووقفنا على أنها سبيلهم، لم نستجز بعد ملكهم والقهر لهم، والعلو بعون الله على جبابرتهم، أن نقيم الحدود فيهم مع ما قد علمنا من جهلهم، حتى نبين لهم ما ندعوهم إليه، وما نوقفهم عليه، ثم نمضي الحدود بعد الإنذار والإعذار، ?لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وإن اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ?.(1/805)


تسبيح الأشياء وسجودها لله تعالى
وسألت أكرمك الله: عن قول الله سبحانه: ?وإن مِّن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ?[الإسراء:44]؟
واعلم أن معنى هذا وأحسن ما يؤول في فهمنا، أن الله تبارك وتعالى أراد بذلك أنه ليس من شيء إلا وفيه من أثر صنعه وتدبيره وتقديره ما يدل على جاعله ومصوره، ويوجب له سبحانه على من عرف أثر صنعه فيه التسبيح والتهليل، والإقرار بالوحدانية والتبجيل، عند تفكر المتفكر، واعتبار المعتبر، بما يرى من عجائب فعله جل جلاله، فيما خلق من عروق الأشجار الضاربة في الثرى، وفروعها الباسقه في الهواء، وما يكون منها من ثمار مختلفة شتى. فإذا نظر إلى أثر تدبير الجبار فيها، أيقن بالصنع، وإذا أيقن بالصنع أيقن بالصانع، فإذا استدل على الصانع ثبتت معرفته في قلبه، ورسخت وحدانيته في صدره، فإذا ثبتت المعرفة في قلب المعتبر، وصحت في جوارح الناظر، نطق لسانه بالتسبيح لجاعل الأشياء، وظهرت منه العبادة لصانعها.
فهذا معنى: ?وإن مِّن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ?، لمَّا كان في الأشياء كلها الدليل على جاعلها، وفي الدليل على جاعلها ما يوجب الإقرار به، وفي الإقرار به ما يوجب ذكره بما هو أهله من التقديس والتبجيل، والتسبيح والمعرفة والإقرار بقدرته جاز أن يقال: يسبح؛ إذ كان بسببه التسبيح من المسبِّح المستدِّل على ربه، بما بين له في كل شيء من أثر صنعه، فقال: ?وإن مِّن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ?، وهو يعني بالتسبيح تسبيح المسبحين لسبب أثر الصنع من المعتبرين بذلك، فجاز ذلك، إذ كان بسبب أثر الصنع في هذه الأشياء كان التسبيح فيها من المسبحين، المقرين بالله المعترفين.(1/806)


وما التسبيح إلا كقول الله عز وجل: ?زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ?[النمل: 40]، وليس الله يزين لأحد قبيحاً، ولكن لما كان سبب زينة الدنيا وما فيها من الله خلقاً وجعلاً، وكان منه الإملاء للفاسقين، والتأخير الذي به تزينت أعمالهم، جاز أن يقال: زينا ولم يزين لهم سبحانه قبيحاً من فعلهم.
كذلك قوله سبحانه: ?وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا?[الكهف: 28]، فليس الله سبحانه يُغفل قلب أحد عن ذكره، ولا يصرفه عن معرفته، ولكن لما أن كان منه سبحانه ترك المعاجلة للمسيء على فعله، والتأخير له في أجله، جاز أن يقول: أغفلنا، إذ كانت الغفلة هي الإعراض والترك للحق والتوبة والإنابة، فجاز من قِبَل إملاء الله وتأخيره للمسيء المذنب أن يقول: أغفلنا على مجاز الكلام، ومثل هذا كثير في القرآن، يعرفه ذو الفهم والبيان.
ومما حكى الله عز وجل عن ولد يعقوب عليه السلام: ?وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا?[يوسف: 82]، فقالوا: القرية، والقرية فإنما هي البيوت والدور، وليس البيوت والدور تُسأل، وإنما أراد أهل القرية؛ لأنها من سبب الأهل، والأهل من سببها، فجاز ذلك في اللغة العربية. وكذلك قولهم: ?الْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا?، والعير فإنما هي الجمال المحملة، وليس الجمال تسأل ولا تجيب ولا تستشهد، وإنما أرادوا أهل الجمال وأرباب الحمولة، فقالوا: سل العير، وإنما أرادوا أهلها.
فكذلك قوله سبحانه: ?وإن مِّن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ?[الإسراء: 44]، يريد وإن من شيء إلا وهو يوجب التسبيح على من اعتبر ونظر، وفكر في أثر صنع الله بما فيه، فجاز أن يقال: وإن من شي إلا يسبح بحمده، لما أن كان أثر الصنع فيه موجباً للتسبيح لصانعه على المعتبرين من عباده.(1/807)

161 / 172
ع
En
A+
A-