لم يحكم بما أنزل الله فهو من الكافرين، وفي ذلك ما يقول أحكم الحاكمين فيما نزل من الكتاب المبين: ?وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ?[المائدة: 44]، فأخبر سبحانه بالدلالة على الكافرين، ووصفهم بالعدول عن شرائع الدين، ومن عدل عن شرائع الدين ولم يحكم في فعله بحكم رب العالمين، فهو في حكم الله عنده من الكافرين، لا يسميه ذو عقل وبيان فيما أتى به من المعاندة لحكم الله من العصيان إلا بما سماه الله سبحانه من الكفران.
ومن الحجة في ذلك: أنا لم نجد أصل الكفر والشرك - من عبادة الأوثان، وعبادة الشيطان، وعبادة النجوم، والأنصاب والنيران، والدعاء مع الله إلها آخر - غير المعصية، بل وجدنا هذه الأنواع كلها من المعصية لله سبحانه فيما صح عندنا أن من عبد من دون الله غيره أنه لم يعبده إلا بمعصية الله سبحانه؛ لأن الله جل ذكره نهاه أن يعبد معه غيره، فتعدى أمره فكان له عاصياً، وكان بعصيانه له كافراً، إذ نهاه أن يعبد معه سواه، فعبد معه غيره.
وكذلك اليهود والنصارى لم نجد أصل كفرهم وشركهم إلا معصية الله في محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولوا طاعوا الله في محمد والتصديق بما جاء به من عند الله لكانوا مؤمنين، فثبت عليهم الشرك لمعصية الله وترك طاعتهم لمحمد، وهم بالله مقرون وله فيما أمر به عاصون، فلما أن عصوه في أمره كانوا عنده كافرين، وفي حكمه فاسقين.(1/798)
وكذلك من ينتحل اسم الإسلام والإيمان، وهو مقيم لله سبحانه على كبائر العصيان، فحاله عندنا حال من ذكرنا من العاصين، وإن كانوا بمحمد من المقرين، فهو مقر بلسانه جاحد بفعله، عن الله معرض بقلبه، وقد أبى الله عز وجل أن يكون من كان كذلك أو على شيء من ذلك مؤمناً، حتى يقيم شرائع الإيمان بفعله، ويصحح القول بعمله وفي ذلك ما يقول الله تبارك وتعالى: ?إنما الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ?[الحجرات: 15]، فدل بقوله إنما المؤمنون الذين آمنوا وفعلوا، على أن من لم يفعل ذلك فليس من المؤمنين، ومن لم يكن من المؤمنين فليس من المتقين، ومن لم يكن من المؤمنين المتقين فهو من الكافرين الفاسقين. وفي ذلك ما يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أنه قال: (( الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول.))، فبين أن العمل أصل الإيمان، وأن من لم يكن له عمل زكي فليس بمؤمن تقي، ومن لم يكن مؤمناً مرضياً فهو كافر شقي. والاحتجاج في هذا فكثير، وقليله يجزي عن كثيره، لبيانه لمن علم، ووضوحه لمن فهم، وفي الأقل مما به احتججنا من القول كفاية لأهل المعرفة والعقول.
ومما يقال لمن زعم أن من قال بلسانه وترك العمل بجوارحه مؤمن أن يقال له: خبرنا عن من قتل النفس التي حرم الله، وزنى، وشهد شهادات الزور، وأكل الربا، وقبل الرشا، وظلم المسلمين، وعطل أحكام رب العالمين، وشرب الخمر، وترك الصلاة، وأفطر شهر رمضان، ولم يؤد زكاة، وركب الذكور من الغلمان، ولم يحل حلالاً فيفعله، ولم يحرم حراماً فيتركه... هل يكون من كانت فيه هذه الصفات مؤمنا حقاً عندك؟
فإن قال: نعم.(1/799)
قيل له: فالواجب في القياس والحق أن يكون من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج البيت، وأتم الصيام، وحافظ على الصلاة، واجتنب الزنى، ولم يركب الذكران، ولم يشهد شهادات الزور، ولم يأكل الربا، ولم يقبل الرشا، ولم يسفك الدماء على غير حلها، ولم يأكل أموال المسلمين، ولا أموال اليتامى، ولم يحرم لله حلالاً فيتركه، ولم يحلل له حراماً فيفعله، وكان بالله عارفاً، وعن محارمه واقفاً كافراً في قولكم حقاً؛ لأن هذين المعنيين المتضادين لا بد أن يفترق معناهما، ويختلف سبيلهما، فيكونان باختلافهما متباينين، ويكون أهلهما والفاعلون لهما أيضا مختلفين، فيجب ما وقع لفاعل أحدهما من اسم وقع ضد ذلك الاسم لفاعل الصنف الآخر. والاسمان المتضادان فهو الإيمان والكفر، وحيث شئت من هذين الصنفين فأوقع اسم الكفر، فليس يقع معه اسم الإيمان، وحيث وقع اسم الإيمان فلن يقع معه اسم الكفر؛ لأن الاسمين مختلفان متضادان، ولا يجتمعان في معنى واحد، كما لا يجتمع ليل ولا نهار في حالة واحدة، ولا حياة ووفاة على جسم واحد في حالة واحدة. فلا بد لمن سئل عن مثل هذا القول أن يقول الحق، فيعلم أن الإيمان مع الطاعة، وأن الكفر مع المعصية، فيكون من أهل الحق، ويرجع إليه ويعتمد عليه، أو ينبذ الحق بعد وضوحه، ويعاند الصواب بعد شروعه، فيزعم أن من كانت فيه هذه الشروط المنكرة الفاحشة من معاصي الله والمحاربة له مؤمن بالله، فيزعم أن الله حضَّ على معاصيه، ورضي بالمعصية لعباده، وجعل العاصين المتكبرين على رب العالمين إخوة للملائكة المقربين، وأنهم عند الله خيرة مصطفون؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ?[الحجرات: 10]، والأنبياء والملائكة أخوة للمؤمنين من الآدميين، ومن زعم أن أهل المعاصي إخوة للملائكة المقربين، فقد زعم أنهم صفوة الله وخيرته، وأحباؤه وأهل ثوابه وسكان جنته، ومن زعم أن الله أسكن جنته المحاربين له العاصين، وأنه آخا(1/800)
بينهم وبين الملائكة المقربين، فقد لزمه ووجب عليه في القياس والحق اللازم أن يقول إن الله باعد بين المطيعين العابدين من عباده القائمين القانتين، الحاكمين بكتابه، المحتذين بحذو أنبيائه، وبين رسله وبين الملائكة، فلم يجعلهم لهم إخوة بطاعتهم له، وأنه يسكن أولياءه وأهل طاعته ناره، ويصليهم جحيمه، ومن قال بهذا ولزمه فقد خرج من حد الإسلام، وصار عند الله من الجهلة الطغام، وكان عند الله أَوْلى بالعذاب ممن جعله الله من المؤمنين أهلاً للثواب. فميِّز رحمك الله ما قلنا، واستعمل فكرك فيما ذكرنا ينجَلِ لك بذلك الصواب، وينكشف عن قلبك سجف الارتياب.(1/801)
إقامة الحد على من لم يشمله عطاء الإمام
وسألت فقلت: كيف تقيم الحد على من لم تشمله جزايتك من العطاء والكسوة، ولم يستمع ما فيه حياته من العلم؟
وهذا قول مختلف؛ لأن معنى من لم ينله الإحسان من العطاء والكسوة في مُضِيّ الحكم عليه خلاف من لم يسمع ما فيه حياته من العلم والهدى، وسنبين لك إن شاء الله القول في المعنيين، ونوضح لك القول في المسئلتين، ونوضح لك فعل الإمام في الحالين.
فأما من لم تبلغه الدعوة، وتقم عليه بذلك الحجة، ويعلم ما يحل وما يحرم، وما يجب به عليه الحد عند الإمام، فلا نذيقه بأسنا، ولا نقيم عليه حدودنا، حتى نُعلمه ما به تقوم عليه الحدود، وتلزمه العقوبات اللازمة.
فإذا علم ذلك وأتى عليه، وعرف ما له وعليه فيه، وأتى قولنا على سمعه، وثبت إعذارنا وإنذارنا في قلبه، ثم أتى بعد ذلك ما عنه نهاه الواحد الرحمن، واجترى على ما يجب فيه الحد في القرآن، أقمنا عليه بما أوجب الله من الأدب من بعد أن فهم وأبصر، وأيقن وخبر.
فأما أن نقيم الحدود على من لا يعلم حلالا من حرام، ولم يقف على ما فيه الحدود من الآثام، فليس ذلك قولنا، ولا - ولله الحمد - طريقتنا، وكذلك فعل الله في خلقه وحكمه على بريته، وحجته على خليقته، فلا تقع ولا تجب إلا بعد تعريف الله عباده إياها، وإيقافه لهم عليها.
فأما ما قلت من إقامة الحد على من لم ينله منا الكسوة والعطاء، فليس الكسوة والعطاء يوجبان حجة. والحدود ماضية على من لم ينل ذلك منا من بعد ما ذكرنا من التفهيم له، والهداية إلى الحلال والحرام والتوقيف، ولسنا ندفع عنه بعد تعريفه ما يجب عليه فيه الأداب حدود الله ببطؤ مايؤمل منا من الرفد في كل الأسباب؛ لأن الرفد، وإن أبطأ مصيره إليه، لا يدفع عنه حداً إن وجب في حكم الله عليه.(1/802)