الروح
وسألت عن الأرواح، فقلت: ما هي؟ وكيف هي؟ وقلت: كيف يميت الله الجسم ولا يميت الروح والله عدل لا يجور؟
فكذلك الله سبحانه عدل في فعله، حكيم في صنعه، لا يجور على أحد من خلقه. فأما ما قلت وسألت عنه من صفة الروح وتفسيره، فالروح: شيء خلقه الله قواماً للأبدان، وحياة للإنسان، به تعمل الجوارح المجعولات، وتتصرف الاستطاعة المخلوقة، تعدم الجوارح الاستطاعة بعدمه، وتثبت فيها استطاعتها بوجوده، شيء خلقه الله وصوره وجعله بحكمته، وافتطره لحياة الأبدان والأعضاء، ويعيش به ما جعل الله في الأبدان من الأشياء، به تبصر الأعين المبصرة، وبه تسمع الآذان السامعة، وبه تنطق الألسن وتشم الأنف، وتبطش اليدان، ويميز القلب، وتمشي الرجلان، جعله الله قواماً لما حوت الأبدان، ودليلاً على قدرة الرحمن - فهذه صفة الروح ونعتة، وبيان ما عنه سألت منه وشرحه - ضعيف محدود، تضمه الأبدان المؤلفة، وتجمعه الأعضاء المتفرقه، ويحويه الجسم ويحده، مخلوق مجعول، وكائن بتدبير الله مفعول، فهذة صفة الروح، وبيان ما عنه سألت وشرحه.
فإن قلت: انعته لي بصفة غير هذه أقف عليه بها من لون، وطول، وعرض، وغير ذلك من الصفات؟
قلنا لك وأجبناك: بأن الذي ذكرت محجوب عنا، استأثر الله بعلمه، وأبى أن يطلع أحداً على قدرته. فقال: لمن سأل نبيئه عما سألت من الروح وتقديره، وصفته بغير ما وصفناه: ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي?[الإسراء: 85]، فلم ينبه عليه السلام، ولاإياهم في علم الروح وصفته على غير ما ذكرناه من نعته. وقال: ?قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي?، يقول: من فعل ربي وتدبيره وخلقه وصنعه، والشاهد له بالحكمة، ولم يصف الروح بغير ما وصفنا، ولم يستدل عليه بغير ما دللنا.(1/783)


وليس في نعت ذلك لأحد حجة، ولا لأحد إلى علم كيفيته حاجة، وليس عزوب علم ذلك على الآدميين، إلا كعزوب علم غيره من الأشياء، مثل معرفة صورة ملك الموت، وصورة مالك خازن النار، وصورة إبليس وجنده، فهم خلق من خلق الله، قد اطلع على تكوينهم وتقديرهم وشكلهم، ومثلهم من الملائكة والشياطين، وحجب علم ما علمته أشكالهم من تصويرهم وتقديرهم عن الآدميين، فليس من الآدميين خلق يصف ما ذكرنا بطول ولا عرض، ولا جسم ولا لون، فهؤلاء مخلوقون يصفهم بما ذكرنا شكلهم، ويعرف ذلك مثلهم، قد عجز عن وصفهم الآدميون، وانحسروا عن تحديدهم، وعجزوا عن شرح ألوانهم، وهم خلق من خلق الله قد أظهره، وفعل من فعله قد بينه، لم يحجب عن أمثالهم منه شيئاً، ولم يستر عن أشكالهم منه جزأ، عَجز عقلُك - وعقول أشكالك أيها السائل - عن صفتهم، وانحسَرْتَ ونظراؤك عن تحديدهم، وانقطعتَ وهُمْ عن تقديرهم، فكيف تريد أن تحيط بصفة ما ستر الله علمه، وتقف على تحديد ما منع الله الخلق فهمه، ولم يبين من علم كيفيته في نفسه قليلاً ولا كثيراً للملائكة المقربين، ولا للأنبياء المرسلين، ولا لأحد من المخلوقين. هذا طلب منك للمحال، وجري في ميادين الضلال، وتشبث بفاسد من المقال. وقد وصفنا لك الروح وبيَّناه بالدلائل التي بينه الله لنا بها، وهدانا سبحانه إليها، حتى عرفتَه بغاية المعرفة المفهومة، واستدللتَ عليه بأدل الدلائل المعلومة، التي دلتك على تحديده، وأوقفتْك على تقديره، وشهدتْ لك على أثر صنع الله في تدبيره، وأوضحتْ لك أنه فعل من الله مجعول، وأنه مبعض معمول، تضمه الأعضاء، وتحوزه الأجزاء، وتحويه الأبدان بأبين البيان وأنور البرهان؛ فميز قولنا وتدبر شرحنا، يبن لك أمرك، ويصح لك من ذلك محبوبك
وقلت: كيف يميت الله البدن، ولا يميت الروح وكل يموت؟(1/784)


فأما معنى خبر الله من إحياء الروح، فإن ذلك بحكمة الله وفضله، وما أراد من الزيادة في كرامة المؤمنين، وأراد من الزيادة في عذاب الفاسقين، فجعل الأرواح حية باقية إلى يوم الدين؛ ليكون روح المؤمن من بعد فناء بدنه في البشارات والسرور، والنعيم والحبور، بما يسمع من تبشير الملائكة بالرضاء والرضوان، من الواحد ذي الجلال والسلطان، وما أعدّ له من الخير العظيم، والثواب الجسيم، كل ذلك يتناهى إليه علمه، ويصل به من ربه فهمه، فيكون ذلك زيادة في ثوابه ومبتدأ ما يريد الله من إكرامه، حتى يكون يوم القيامة المذكور، ثم ينفخ في الصور النفخة الأولى، فيقع بهذا الروح من الموت ما يقع بغيره في ذلك اليوم، فيموت ويفنى، كما فني البدن أولاً.
وكذلك تدبير الله في إبقاء روح الكافر بعد هلاك بدنه، لما في بقاء روحه من الحسرة والبلاء بما يعاين ويوقن ويبلغه من أخبار الملائكة وذكرها لما أعد الله له من الجحيم، والأغلال، والسعير، وشرب الحميم، وما يصير إليه غداً من العذاب الأليم، فروحه في خزي وبلاء، وحسرات تدوم ولا تفنى، وحلول العويل به والشقاء، فيكون ذلك زيادة في عذابه وبلائه، ومقدمة لما أراد الله من إخزائه، حتى ينفخ في الصور، فيحق بهذا الروح ما حق بغيره من الفوت، ويواقعه ما واقع جسمه من الموت، ثم ينفخ النفخة الثانية من بعد موت كل شيء، وهلاك كل حي، ما خلى الواحد الأحد، الفرد الصمد، المميت الذي لا يموت، المحيي الذي لا يخشى من شيء فوتاً.
ولوكانت الأرواح تموت مع موت الأبدان، لكان في ذلك فرج وراحة للكفار، وغفلة وفرحة للأشرار، ولكان ذلك غما وكآبة على المؤمنين، ونقصاناً وتضعضعاً لسرور الصالحين.(1/785)


فافهم ثاقب حكمة الله وتقديره، وصنعه في ذلك وتدبيره، وما جعل في تأخير موت الأرواح من الكرامة للمؤمنين، والهوان للفاسقين، فإنك إن أفكرت في ذلك بخالص لبك، واستعملت فيه ما جعل الله من مركب فكرك، صحت لك آثار الحكمة في ذلك، وبان لك الأمر من الله سبحانه كذلك.(1/786)


فضل الملائكة على الأنبياء
وسألت أكرمك الله عن الملائكة والأنبياء صلوات الله عليهم فقلت: أيهم أفضل؟
والجواب في ذلك أن الملائكة أفضل من الأنبياء. والحجة في ذلك أن الفضيلة لا تكون إلا بفضل الأعمال، فلما وجدنا الملائكة أفضل أعمالاً وأكثر عبادة، حكمنا لها بالفضل على من دونها عملاً. ألا تسمع كيف يشهد الله لها بكثرة العبادة ودوام الطاعة، حين يقول الله عزوجل: ?وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ?[الأنبياء: 20]، فذكر سبحانه عنهم ما ذكر من عبادتهم ودوام طاعتهم، في التسبيح له والتقديس في الليل والنهار لا يفترون، ومن كان عابداً لله الليل والنهار لا يفتر خلاف من هو يفتر في الليل والنهار، ويشتغل بلذّات نفسه وشهوات قلبه، من الجماع، والمآكل، والمشارب، والنوم، والجلوس، والحديث. فلما أن صح عندنا أن الملائكة مأمورة منهية كالأنبياء، مختارة للطاعة كاختيار الأنبياء، قادرة على ضد الطاعة لو أرادته، بما جعل الله فيها من الاستطاعة والتمكين، ثم وجدناها قد استعملت ذلك كله أثرة لله، وإقبالاً على طاعته، ففرغت أنفسها الليل والنهار في عبادته لا تفتر، حتى شهد الله لها بذلك، كانت عندنا أفضل من الأنبياء بما ذكرنا من فضل عملها، ودوام طاعتها.
ومن الدليل على فضل الملائكة على الأنبياء قول الله عز وجل: ?لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ?[النساء: 172]، فقال سبحانه: ?لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ?، ثم قال: ?وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ?، فذكر الملائكة بعد المسيح، فعلمنا أنها أكبر منه وأعظم وأفضل، وفي أقل مما ذكرنا ما كفى من كان ذا فهم واجتزاء.(1/787)

157 / 172
ع
En
A+
A-