وجوب الهجرة في سبيل الله
وسألت فقلت: من يجب عليه النفير في سبيل الله؟
واعلم هداك الله أن النفير والهجرة في سبيل الله واجب على كل من عرفه، ممن عدم أربعة أشياء وكان سالماً منها، وهي: العرج، والعمى، والمرض، والفقر. فمن لم يكن من أهل هذه الأربعة الأشياء؛ فالهجرة عليه والنفير واجبان، والجهاد والقيام لازمان، لا يفكه عن فرضها، ولا يزيحه عن واجب أمرهما إلا القيام بهما، والأثرة لهما، أو الكفر لمن افترضهما، كما قال الرحمن الرحيم في ما نزل من القرآن الكريم، حين يقول تبارك وتعالى: ?انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ?[التوبة: 41].
ثم قال سبحانه قطعاً منه لحجج المتعللين، وإعذاراً وإنذاراً إلى العالمين، وتثبيتاً لفرضه الأكبر، وإقامة لدينه الأوفر، وحضاً على ما به قوام الإسلام، وصلاح دين محمد عليه وآله الصلاة والسلام: ?إلا تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ?[التوبة:39]..
ثم قال سبحانه إبانة منه للمتخلفين، وتسمية منه لهم بأسماء الفاسقين، وإخراجاً لهم بذلك من معاني المؤمنين: ?قُلْ إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ?... إلى قوله: ?فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ?[التوبة:24]، فجعل المتخلفين عن جهاد الظالمين في الحكم عنده سبحانه من الفاسقين.(1/778)
وما ذكر به من ذلك أولئك ومن كان من الخلق كذلك فكثير في القرآن معلوم عند أهل المعرفة والبيان، يطول شرحه لو شرحناه، ويجزي ما ذكرناه عما تركناه. فكيف لا يكون من منع الجهاد وتعلل بالأموال والأولاد من أشر العباد عند ذي العزة والإياد، وقد هتك الدين، وباين رب العالمين، وشرك في دماء المسلمين، وقوى بذلك جميع الفاسقين، فكان بخذلانه للدين وقعوده عن المحقين شريكاً للكافرين، ومعاضداً للفاجرين، إذا كانت بخذلانه نيته وسطوته على المحقين بتخلف المتخلفين مظاهرة، فكان محل الخاذل، بخذلانه وقعوده عن الله سبحانه، محل المحارب بمحاربته، لاينفك الخاذل للمؤمنين من المشاركة للفاسقين فيما نالوه من المتقين في حكم أحكم الحاكمين. فليتق الله ربه، وليقس بفتره شبره، وليترك عنه التعلات، وليحذر من الله النقمات؛ فقد وضح الحق لطالبه، واستنار الرشد لصاحبه، فلا عذر في تخلف المختلفين، ولا حجة في تأويل المتأولين، ولا بد من النصرة لرب العالمين، أو الكفر بما أنزل على خاتم النبيئين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم.(1/779)
معنى كلام الله لموسى
وسألت عن قول الله سبحانه: ?وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا?[النساء:164]، فقلت: كيف كان الكلام من الله عز وجل لموسى عليه السلام؟ وما معنى قوله: ?تَكْلِيمًا?؟
واعلم هداك الله أن الله تبارك وتعالى لم يوحِ إلى أحد من الأنبياء إلا على لسان الملك الكريم جبريل عليه السلام، وكذلك إلى موسى صلى الله عليه، وقد كان منه الإيحاء إليه على لسان جبريل، حتى كان في هذا الوقت الذي ذكره الله - جل جلاله عن أن يحويه قول الله أو يناله - فكان من الله إليه ما ذكر الله سبحانه من الكلام له عليه السلام، وكان معنى ذلك أن الله خلق له كلاماً في الشجرة، سمعه موسى بإذنه كما كان يسمع ما يأتي به الملك إليه من وحي ربه، فكان فهم موسى وسماعه لذلك الكلام الذي شاء الله إسماعه إياه لما أراد من كرامته واجتبائه، كفهمه لما به كان يأتيه جبريل عن الله من وحيه سواء سواء، فلما أن لم يكن بين الله سبحانه وبين موسى صلى الله عليه لهذا الكلام المخلوق في الشجرة مؤد يؤديه إليه، كما كان يكون فعله في غيره مما ينزله عليه، جاز أن يقول: ?كَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا?، يريد أسمع موسى وأبلغه ما كان يريد من الكلام والوحي إسماعاً بلا مؤد لذلك إليه، فلما أن لم يكن بين الله وبين موسى مؤد للكلام إلى موسى، وكان المتولي لجعل الكلام وفعله وخلقه على ما سمعه موسى من البيان والكفاية والتبيان، قال الله سبحانه: ?وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا?[النساء: 164]. ومعنى تكليماً: هو تأكيد للإخبار منه عز وجل بما كان من عجيب فعله، وعظيم قدرته، وظاهر برهانه، وما ازاداد موسى به بصيرة إلى بصيرته، من خلقه لكلام ينطق بغير لسان، كما ينطق به ذو اللهوات والأدوات واللسان والآلات، فهذا معنى قوله: ?تَكْلِيمًا?، لا ما يقول به الجاهلون، وينسب إلى الله الضالون، من تشبيهه بخلقه، ونسب الكلام إليه على طريق التكلم به، كما يعقلون في كلام(1/780)
الآدميين، ويعرفون من كلام المخلوقين، تعالى عن ذلك أرحم الراحمين، وجل أن يكون كذلك رب العالمين.(1/781)
معنى النفخ في الصور
وسألت عن الصور، فقلت: ما هو؟ وكيف هو؟ وعلى أي وصف هو؟
واعلم رحمك الله أنه ليس ثَمَّ صور ينفخ فيه كما يقول الجاهلون، ويلفظ به العمون، وإنما الصور الذي ذكر الرحمن، فيما نزل من واضح النور والبرهان، هو جمع (الصُوَر)، و(الصُوَر) جمع (الصُورَة)، فالعرب تقول (صورة) و(صورتان) و(صُوَر)، ثم تجمع (الصُوَر)، فيكون جمعها (صُور)؛ هذا معنى (الصُور). ونَفْخ الله فيها في النفخة الأولى، فهو إفناؤها، وهو نفخه فيها وهي الأبدان والصُوَر - صُوَرالمخلوقين وأبدان العالمين - لما أردا من هلاكها وفنائها ودمارها؛ فواقَعَها وحل بها من الله سبحانه ما أزالها، وحق بها منه ما أبادها، وواقعها منه ما أتلفها فصارت بنفخ الله فيها، وما وعدها من الموت والفناء إلى الزوال والانقضاء؛ فهذا معنى ما ذكر الله من النفخة الأولى في الصُوَر المصورة، والأجسام المفتطرة.
ومعنى النفخة الأخرى فهي نفخة الله الثانية في الصور والأبدان المتمزقة البالية، لما أراد من حياتها ونشرها، وتجديدها وبعثها من بعد موتها، فكان نفخه بالحيوة فيها نفخة ثانية أخرى من بعد النفخة المهلكة الأولى. فكانت النفخة الأولى للهلكة والوفاة، وكانت النفخة الأخرى للنشور والحياة، قال الله تبارك وتعالى: ?وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإذا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ?[الزمر: 68]. فأخبر سبحانه أن النفخ على المعنيين، وأن له حالين مختلفين، إذ كان حال الأولى ما أوجبه الله من حال الهلاك والانقضاء، وحال النفخة الأخرى ما جعل الله فيها وبها في حال الحيوة بعد الفناء. فافهم ما قلنا، واعرف من ذلك ما شرحنا، من شرح النفخ ومعناه، وأنه ما واقع الصور الأولى والأخرى من مراد الله وفعله، وما حكم به سبحانه في خلقه.(1/782)