ما يفضل الله بسبب علمه بحال العبد مستقبلا
فكانت زيادات الله وعطاؤه لنبيه على صنفين؛ فصنف ابتدأه بما ابتدأ لما قد علم من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من الاستواء، وأحاط به علمه قبل خلقه للدنيا من إيثار محمد صلى الله عليه وآله وسلم على غيره، وإخلاصه له في حميع أموره، وأنه يكون على الاستواء وعلى الغاية في الانتهاء، اختياراً منه لذلك، وأثرة منه لربه عن غير جبر من الله له، ولا إدخال له قسراً في طاعته، بل يكون ذلك منه اختياراً، وأثرة لله لا اضطراراً. فلما علم الله منه ذلك، وأنه يكون في جميع الأمور كذلك، ابتدأه بالكرامة على ما قد علم من غاية فعله، وصيرورة أمره، وابتدأه بما هو أهله، عن غير عمل كان منه لربه، ولا جبر من ربه على شيء تقدم من فعله، بل على ما قد علم من صيرورة أمره، وما علمه مما سيكون من اجتهاده في طاعة ربه، وتقديمه لإرادته على إرادة نفسه.(1/768)


والصنف الثاني: فزيادات من الله لنبيه على جزاء فعله، وما ظهر من نصيحته، وبان من اجتهاده في التثبت لباب اهتدائة، فزاده الله من بعد فعله لذلك تثبيتاً وهدىً، وزيادة التقوى، كما قال الله سبحانه: ?وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ?[محمد: 17]، فكان اهتداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعظم الاهتداء، وتقواه أكبر التقوى، فكانت زيادة الله له أعظم من كل زيادة، وهدايته له أكبر من كل هدايه، فكانت هذه زيادة من الله على طريق المجازاة للنبي على فعله، وكانت الزيادة الأولة منه على ما قد علم من صيرورة أمره. فاجتمعت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث خصال: ابتداء الله لإعطائه ما أعطاه من حجة العقل التي ساوى بين العباد فيها في الابتداء لتقوم له بذلك عليهم الحجة في بلوغ أداء فرائضه، واستدراك معرفته، والإقرار بوحدانيته؛ وكرامة الله له وزيادته في ابتدائه بما ابتدأه به على قدر علمه لصيرورة أمره واجتهاده في طاعة ربه، واقتدائه فيما أمر بالاقتداء به وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: ?وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ?[محمد: 17]، فكملت له صلى الله عليه وآله وسلم هذه الثلاث الخصال، واجتمعت، والتأمت وتمت مع غيرها من توفيق الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وتسديده وتأييده ومعونته، فعاد ذلك كله زيادات في عقله، وصار له حبيباً في كل أمره.(1/769)


فكيف يلحق به أبو جهل اللعين، أو يشابهه أو يساويه في شيء من عطاء رب العالمين؟! وأبو جهل فلم يستحق من الله تعالى زيادة في شيء من أمره، لا بنية صالحة نواها، ولا بطاعة لله من ذلك أتاها؛ فيستحق على نيته ابتداءً، وعلى ما ظهر من عمله بالصالحات جزاء، فلم يكن معه - عليه لعنة الله - غير ما كان من ابتداء حجة الله المركبة في صدره، المجعولة في قلبه؛ لتكمل بها عليه الحجة، فترك استعمالها، ورفض النصفة لها؛ فصار بذلك ظالماً لما في صدره من حجج الله، فاستوجب لمكابرته لحجج الله عذاب الله وسخطه، وخذلانه ولعنته. فكابر أبو جهل ما زُرع في قلبه، ورفض ما أُمر به من أمر ربه، فاستأهل من الله جزاء سيء فعله، وحاق به كسب عمله، وصار في الضلالة متحيراً، وفي اللعنة من الله متصيراً، بما كان له من حجج الله في صدره مكابراً. فلن تستوى حال من كان عند الله مرضياً مهتدياً، وكان له ولياً موالياً؛ وحال من كان مسخوطاً عند الله مخيباً، وله سبحانه عدواً معادياً في كل حال من الحال، وفي كل قول وفعال. لا يستوي ولي الله وعدو الله عند الله في حالة، ولا تتقارب منهما عنده منزلة، لا في ثواب ولا في عطاء، ولا في زيادة ولا هدى. حال أولياء الله عند الله حال الكرامة والثواب، وحال أعداء الله عند الله حال الخذلان والعقاب. فالحمد لله الذي ميز بين خلقه، وصدقهم في ذلك ما أوجب لهم من وعيده ووعده.(1/770)


تسويغ التفضيل بغير العمل
فإن قال قائل: كيف يكون الابتداء من الله على غير عمل ولا جزاء؟
قيل له: كذلك الله يفعل ما يشاء، ويعطي من يشاء على ما يعلم منهم من الاهتداء.
فإن قال: أليس بكمال العقل وتمامه تُنال فرائض الله، وتبلغ إرادة الله في قولكم، إذ كان قد فضل بعضاً على بعض في الزيادات في العقل الذي ينال به كل فعل، ثم كلفهم كلهم - بعد أن فضل منهم بالزيادة في العقل من فضل - فرضاً واحداً، وألزمهم شرائع سواء، لم يرض من أحد منهم بترك خصلة واحدة من ذلك، ولم يوجب على المفضل بالعقل في الفرض زيادة ركعة واحدة من ذلك، ولا صيام يوم واحد، ولم ينقص عن المنقوص في عقله من ذلك الفرض قليلاً ولا كثيراً، فأين النصفة والعدل مع ما ترون من الفعل؟
قيل له: إنك جهلت المعنى، فأتى قولك على غير الاستواء. إن الله تبارك وتعالى قد عدل بين خلقه، وساوى بين عباده، فأعطاهم كلهم من حجج العقل ما بأقل قليله ينالون آداء فرضهم وتمييز أمورهم، والاستدلال على خالقهم، فساوى بينهم فيما يستدركون به معرفة أمره، ويستدلون به على التمييز بين أموره، ويقفون به على معرفته. فلم يوجب على أحد أمراً ولا نهياً، ولم يجعله عنده على شيء معاقباً إلا وقد أعطاه من حجة العقل ما ينال به ما ينال غيره، ممن زاده الله بسطة وآتاه كرامة. فلما أن ساوى بين خلقه في مستدركات حججه، وبالغات معرفة أداء فرضه، زاد من شاء من فضله، وأعطاه ما شاء من كرامته، من بعد أن قطع عنه حجة غيره بما ركب في صدره من مؤكدات حججه، التي بأقل قليلهن وأصغر صغيرهن يستدرك أكثر مما افترض عليه، وينال فوق ما ألزم، وجعل فيه فرضا لازماً موكداً، وأمراً واجباً مشدداً، فزالت عن الله لهم الحجة، وسقطت عنه سبحانه معاني المظلمة، وثبت له بذلك معاني الحكمة، وصحت له النصفه، وبان عدله في خلقه، بما ساوى بينهم فيه من حجته.(1/771)


فإن قال قائل: بين لي قولك، واشرح لي لفظك بحجة يقف عليها عقلي، وتكون ظاهرة في صدري؟
قيل له: مثل زيادة الله لمن شاء من فضله، وتفضيله لمن شاء من عباده على من قد أعطاه أكثر من حاجته، وثبت في صدره من وافر حجته، ما بأقل قليله يؤدي إليه ما ألزمه من فرضه، مثل رجل له غلامان، فدفع إلى أحدهما شمعة كبيرة متوقده، ودفع إلى الآخر شمعتين، ثم قال لهما: يحرق كل واحد منكما بيتاً من حشيش بما معه من النار.
فإن قال صاحب الشمعة: أعطيتني شمعة واحدة، وأعطيت صاحبي شمعتين، ثم ساويت بيننا في إحراق الحشيش، فقد ظلمتني في ذلك وجُرْت علي أنْ كلفتني مثل ما كلفت صاحبي، وقد زدته شمعة على شمعتي.
هل ترى أيها السائل هذا القائل صاحب الشمعة الواحدة صادقاً في قوله، أو مصيباً في لفظه، أو ترى له حجة على سيده، وقد أعطاه من النار ما بأقل قليله يحرق بيوتاً كثيرة؟
فإن قال قد كان العبد في ذلك مصيباً، وبالحق محتجاً، والسيد له ظالم، وفي تكليفه له غاشم، حين كلفه من الإحراق مثل ما كلف صاحبه، وقد أعطى صاحبه شمعتين، وأعطاه شمعة واحده، كان في قوله ذلك محيلاً، وعن الصواب عادلاً، ولم يقل من ذلك حقاً؛ لأن قليل النار يأتي من إحراق الحشيش على ما يأتي كثيرها، ويتفرع منها من الالتهاب عند احتراق الحشيش ما لا يكون لصاحب ثنتين ولا ثلاث ولا أربع فضلٌ في عمله على صاحب الواحدة وفعله، وكل ينال بما أعطى أكثر مما كلف وأعطي.
فإن قال: لا أرى لصاحب الشمعة الواحدة على سيده حجة في دفعه إلى صاحبه شمعتين؛ لأن المكلف به الذي كلفهما إياه ينال بأقل من واحدة.
فلذلك قلنا: إنه لا حجة لصاحب الواحدة على سيده، وصاحب الواحدة ظالم لسيده غير محتج بحق على مالكه؛ لأنه قد ساوى بينه وبين صاحب الثنتين، فيما دفع إليه من النار، التي بأقل قليلها ينال من إحراق بيوت كثيرة ما ينال صاحب الثنتين والثلاث والأربع لو كان.
فإذا قال: بالحق ورجع إلى الصدق.(1/772)

154 / 172
ع
En
A+
A-