استواء العقول في ما تقام به الحجة
الجواب في ذلك:
إن كنت تريد بقولك هل هو مثله؟ أي: هل يعمل عقله إذا استعمله كعمل غيره فيما جعل له وركب عليه، أو هل يستدرك به أداء فرض الله الذي افترضه الله عليه، وينال به بلوغ ما أوجب الله عليه، من تمييز الأمور وفهم واجب الفرائض، وهل يستدرك به معرفة الخالق بما يرى من أثر صنعه، وينال به التمييز بين طاعته ومعصيته، فيكون بذلك بالغاً من أداء حجج الله، واستدراك الدليل على الله، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليستدرك بأصل حجة عقله من أداء فرضه... فكذلك نقول: إن أبا جهل قد كان يستدرك وينال بأقل قليل عقله أكثر مما افترض عليه من دينه، وفوق ما يحتاج إليه من الدلائل على معرفة ربه. فقد كان فيما أعطاه الله من أصل الحجة، وثبت فيه من العقل لأداء الفريضة، وفي الاستدلال إن استعمل عقله بالغاً بعقله ما كان يبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بما أعطى من مبتدأ حجة العقل من المعرفة بأداء فرض الله، والوقوف على دين الله، الذي لم يرض من العباد إلا بأدائه.
ولولا أنه قد ساوى بينهم فيما ينالون به معرفة ما افترضه عليهم، وأداء حججه التي احتج بها عليهم، ما كانت تجب له عليهم حجة، ولكن الله عز وجل أعطى كلاً ما ينالون به أداء حجته، فساوى بينهم في إقامة الحجة عليهم، وإثبات البراهين في صدورهم بما يبلغون به فرضه، وينالون به معرفته.(1/763)
فإن كنت أردت هذا المعنى، فقد ساوى الله بين الخلق كلهم، فيما يكون به بلوغ حجته، وتمام منته، ونهاية أداء فرضه من العقول المركبة في صدورهم الثابتة في قلوبهم، وأثبت بذلك عليهم كلهم حجته لأن العقول المركبة فيهم من هذه الحجج اللازمة لهم من فعل الله لا من فعلهم، ومن صنع الله عز وجل لا من صنعهم، وتدبيره جل جلاله لا من تدبيرهم؛ فمبتدأ ما أعطاهم الله من حججه منه لا منهم. فلما أن صح أن هذه العقول المركبة في الخلق فعل الله، كان فعل الله في ذلك مشتبهاً، وكان تدبيره في إثبات الحجج عليهم متساوياً، فاشتبهت وتساوت حجج الله على خلقه، التي ركبها في صدور عباده، بعدله فيهم وإحسانه إليهم في مبتدأ أمرهم، كما استوت عليهم فروضه، ووجبت عليهم شرائعه، ولزمتهم بها عبادته. فكانت أصول ما أعطاهم من حججه فيهم سواء كما كانت فروضه عليهم كلهم سواء، فتساوى المعنيان من الله في ذلك معنى الفرض والمعنى الذي ينال به الفرض، فكانت فرائض الله على عباده كلهم سواء، وجاء ما تعبدهم به منها سواء على المساوات والاستواء. وكذلك جاءت أصول ما أعطاهم الله من حجة العقل التي ينالون بها أداء هذه الفرائض على قياس ذلك سواء، فاستوت المفروضات عليهم، والحجة التي ينالون أداءها بها فيهم، فساوى الله سبحانه بينهم في إثبات الحجة عليهم، وإكمال البراهين فيهم، وإيجاد السبيل لكلهم، إلى أداء فرضه وبلوغ طاعته، فكان ما أعطوا من أصل حجته العقل في ذلك بينهم سواء، كما كان الفرض عليهم كلهم سواء.(1/764)
تفضيل الله لمن يشاء في الزيادة في العقول
ثم فضل الله تبارك وتعالى من يشاء بعد المساواة بينهم، والاكتفاء بما شاء بعد ذلك من الأشياء، فلم يكن لعباد الله حجة على الله، كما لم يكن لهم حجة فيما خلق وجعل وفطر من الأشياء، وفعل من جعله لبعضهم أهل جمال وهيئة، وجَلَد وهيبة، وجعل بعضهم أهل لطافة ودمامة، وأهل قلة وسماحة، فمن تكلم فيما فضل الله به بعض الخلق على بعض في زيادات العقل، وجب عليه أن يجيب فيما فضل الله به بعضهم على بعض فيما ذكرنا من زيادة الخلق في حسن الألوان وعظم الأبدان، والكمال والبيان... لا يجد من ذلك بداً؛ لأن المعنى فيهما واحد مؤتلف، متساو غير مختلف.
وليس في ذلك للخلق على الله حجة، ولا يلحق به سبحانه لمتعنت تجوير ولا ظلم، ولا يثبت به عليه حيف ولا غشم؛ لأنه حكيم يمضي ما كان فيه الحكمة على كره من كرهه، وإرادة من أرداه؛ لأن الحكمة هي رأس الحق وأصله، والحق فلا يتبع أهواء العباد، ولو اتبعه لفسدت البلاد والعباد، كما قال ذو العزة والأياد حين يقول: ?وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ?[المؤمنون: 71].(1/765)
الحكمة من التفاوت في الخلق
فإن قال قائل: وما في التفاوت بين خلقه في الخلق والأجسام والألوان من الحكمة؟
قيل له: في ذلك أحكم الحكمة، لما فيه من الدليل على صانعه، والشهادة على جاعله، والنطق بوحدانية فاعله، وحكمة مدبره؛ لأنه لما أن تصرفت خلقهم، واختلفت ألوانهم، وتباينت صورهم، دل ذلك من حالهم على جاعلهم، وشهدت بذلك حالهم على وحدانية فاعلهم، وبعده من شبههم، واقتداره على فطرهم، ونفاذ إرادته في تأليفهم، فصح له بذلك عند خلقه القدرة، وثبتت له الواحدنية، وصحت له دون غيره الربوبية. فهذا باب الحكمة، وتفسيرها وشرح أمرها وتثبيتها في ظهور ما أظهر الحكيم من خلقه، وتفضيل من فضَّل في الألوان والأجسام، وما له كانت الأمور من الله سبحانه كذلك، وأتى تدبيره جل جلاله على ذلك، وفي ذلك من قولنا وما يشهد لنا عليه كتاب ربنا، ما يقول الرحمن فيما نزل من النور والبرهان: ?وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إن فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ?[الروم: 22].
فافهم ما به قلنا من تسوية الله سبحانه بين عباده فيما أعطاهم من أصول حججه المركبة في صدورهم، كما ساوى بينهم فيما ألزمهم من أداء فرضه، وما قلنا به في الزيادة من الله سبحانه في ذلك لمن شاء من خلقه.(1/766)
نوع التفاوت بين عقل رسول الله وعقل أبي جهل
وإن كنت تريد بقولك: هل كان عقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل عقل أبي جهل؟ أنه مثله في المساواة والموازنة، والكمال والاستواء، ومواد زيادات الله له في الهدى والعطاء، والتفضيل في كل الأشياء، والزيادة في الفهم وجودة التمييز... فلا!! ولا كرامة لأبي جهل!! لا يكون عقله في ذلك كعقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الزيادات والتفضيلات، والخصائص والكرامات، والتوفيق والتسديد، ما لا يكون مع أحد، وذلك لكرامة الله لنبيئه، واستحقاق نبيه لذلك من الله بفعله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فلما أن فعل ما ارتضاه الله منه من إخلاص النية وجودة البصيرة، استحق من الله الزيادة.(1/767)