ومن الدليل على أن المعرفة هي ثبات العقل وكماله، بأن علمنا أن شراب الخمور، وأهل الدعارة والشرور، إذا شربوها زالت عنهم الألباب، وأنها مضطرة إليه محتاجة، تعزب بعزوبه، وتحضر بحضوره، وتتفرع في ثباته وتعدم عند عدومه، فعدمت بزواله منهم المعارف حتى يطيح عنهم واضح البيان، ويزيح بما قد كان مؤدياً لهم من بين اللغة واللسان، وحتى تلتبس عليه حلايله من أخواته، وأمهاته من خالاته، ويأتي على لسانه من القذف والفحش والمنكر والدنأة في النادي والجماعات ما يفضحه ويشينه، وما لعله لو عرض مفروجاً عليه عند ثبات لبه وتفرع معرفته سوءَ ما كان منه إذ كان لا معرفة له بما سلف منه في حال كينونته ويأتي متيقظاً واحداً من أفعاله في عزوب لبه ما فعل ذلك أبداً، بل لعله يود أنه كان ميتاً فانياً، مفقوداً نائياً، ولا تبين منه الأشياء الفواضح، والأفعال الطوالح، ففي أقل ما ذكرنا دليل على أن المعرفة لا تثبت ولا تكون إلا بالعقل ومن العقل.(1/758)


إلهام البهائم
فإن احتج فقال: قد نرى البهائم التي نعلم نحن وأنت أنها عدمت العقول تعرف أولادها وأمهاتها وتعرف طعامها وشرابها من غيره، وتعرف ما يضرها مما ينفعها فتعتزل المضار وتتبع المنافع.
قيل له: إنما كلامنا في المثابين والمعاقبين، من الجنة والآدميين من المأمورين والمنهيين الذين ينالون الطاعة والمعصية بما ركب فيهم من الاستطاعة، فيكونون متخيرين لأحدهما يثابون على طاعة إن كانت منهم، ويعاقبون على معصية إن جاءوا بها، ولا يكون تخير الواحد من الأمرين إلا من ذي لب واضح، وعقل راجح، فأمَّا البهائم فإنها غير مأمورة ولا منهية، ولا مثابة ولا معاقبة، وإنما عدمت الثواب والعقاب بما سلبته من الألباب، وأما ما يكون منها من شيء فعلى غير معرفة ثابتة ولا تمييز، وإنما يكون ما يكون منها من معرفة الذكر للأنثى، ومعرفتها لأربابها، ومعرفة الذكر بما يكون لاقحاً من الإناث فهو أعرف وأكثر من معرفة الطعام والشراب والأمهات والأولاد، فإنه منها على الإلهام وإنهن لملهمات لذلك إلهاماً، كما يلهم الطفل في صغره معرفة الثدي وطلبه له، وبكاه وسكوته وحزنه وسروره وكل ما كان من الطفل بغير تمييز ولا عرفان، وإنما هو طبع وإلهام، حتى إذا كمل من عقله ما يحوز به التمييز من الأشياء ميز حينئذ فاختار، فأخذ وترك، وعرف ما ينفعه مما يضره، فاجتنب ما يضره، وطلب ما ينفعه، وهو في صغره لو وضع قدامه تمراً وجمراً، وملحاً وسكراً، لكان حرياً بالأخذ للضار له منهما، لعدم عقله وذهاب معرفته وفهمه، ففي أقل مما ذكرنا إن شاء الله ما بين وكفى عن التطويل وشفى من كان مسترشداً تابعاً للهدى، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وملائكته وجميع الأنبياء والمرسلين من خلقه على محمد عبده ورسوله النبي الإمام الهادي المهدي، وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار الصادقين الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.(1/759)


الدليل على أن الله خلق الأشياء لا من شيء
وقلت: ما الدليل على أن الله خلق الأشياء لا من شيء؟
والدليل في ذلك أنه لا يخلو أن يكون خلق أصل الأشياء ومبتداها من شيء، أو من غير شيء. فإن خلقها من شيء أزلي، فقد كان معه في الأزلية والقدم غيره من الأشياء، ولو كان ذلك كذلك تعالى الله عن ذلك لم تصح له الأزلية، وإذا لم تصح له الأزلية لم تصح له الوحدانية، وإذا لم تصح له الوحدانية لم تصح له الربوبية؛ لأن من كان معه شيء لا من خلقه فليس برب للأشياء كلها، إذ لم يكن لكلها خالقاً، فمن ههنا صح أنه خلق الأشياء لا من شيء، وابتدع تكوين ابتداعها من غير شيء.(1/760)


العلة في بعثة الرسل
وقلت: لأي علة بعث الله الرسل؟
وبعثهم ليكونوا حجة على خلقه، وليبلغوا مِن عنده ما تعبدهم به من فرضه، إذ مفروضاته سبحانه معقول ومسموع، فما كان من المسموع فلا بد فيه من مُسمِع يؤديه وناطق به عن الله بما فيه، وهم الرسل عليهم السلام، المؤدون إلى خلق الله رسائله، والمبلغون إليهم عنه مراده منهم، فلهذا المعنى من تأديتهم عنه بعثهم.
تمَّ ذلك والحمدلله كثيراً.
وسئل صلى الله عليه عن رجل اشترى شيئاً فوجد به عيباً ثم استعمله بعد ما وجد فيه العيب، فقال: ليس له رده، وليس له إلا أرشه، وهو نقصان الثمن بالعيب، وقال إذا جاء المشتري يرد بعيب وكان العيب مما يحدث مثله في تلك الأيام، ثم أقام عند المشتري فعلى المشتري البينة أنه اشتراه وبه ذلك العيب، فإن لم يكن له بينة؛ فعلى البائع اليمين ما باعه هذه السلعة وفيها هذا العيب، وقال صلى الله عليه: إذا اشترى رجل جارية فوجدها ولد زنا من أمة الرجل الذي باعها فليس هذا عيب يرد به، وقال إن البول عيب في الكبير، وليس هو عيب في الصغير.
تمَّ ذلك والحمدلله وحده، وصلوات الله على محمد وآله.
وله ايضاً صلوات الله عليه:(1/761)


جواب مسائل أبي القاسم الرازي رحمه الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
المساواة والتفضيل في العقل
قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
سألت يا أبا القاسم أكرمك الله بكرامته، وأتم ما بك من نعمته، وجعلك ممن اهتدى فزاده نوراً وهدى، فجمع لك بذلك خير الآخرة والدنيا، فقلت:
أخبرني عن عقل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل كان مثل عقل أبي جهل؟(1/762)

152 / 172
ع
En
A+
A-