أحكام توزيع الزكاة
وآمركم إذا قبضتم جميع الزكوات التي سميتُ لكم أن تُخرجوا ربع ما تجبون من كل مخلاف فتقسمونه على مساكين البلد وأهل فاقتهم وحاجتهم. ويخصون بذلك من لا حيلة له مجتداً ولا ملتداً، دون من له حيلة، ولا تعطوا من يجد متعداً حتى يكتفي من لا متعد له، وتنفقوا من ذلك مار الطريق وابن السبيل، ثم تضموا الثلاثة الأرباع الباقية حتى تصيروا بها إلينا إن شاء الله، فنصرفها حيث أمر الله.
الأمر بالنزاهة
وآمركم أن لا تنزلوا على أحد، ولاتقبلوا له هدية، ولاتكلفوهم مؤنة، وانزلوا في منازل بالكراء، واستنفقوا من أموال الله بالمعروف، فقد أخرجت ما في رقبتي، وأعذرت وأنذرت إليكم، والله الشاهد سبحانه عليكم.(1/748)
أحكام أموال أهل الذمة وأراضيهم
وكذلك من وجدتم من أهل الذمة فخذوا منه ما أوجب الله في رؤسهم مما حقن به دماءهم في الجزية؛ وهي اثنا عشر درهماً على فقرائهم - وهم الذين يملكون أربعة دنانير فصاعدا، ومن لم يملك شيئاً فلا شيء عليه - وعلى أوساطهم أربعة وعشرون درهماً قفلة، وعلى ملوكهم - الذين يملكون ألف دينار فما فوقه ناضاً أوقيمة ثلاثة آلاف عرضاً - ثمانية وأربعون درهماً قفلة. ولا تأخذوا شيئاً مما أمرتكم بأخذه إلا بأحسن الأمر وأرفقه، ثم تجمعون مَن قِبَلكم من أهل الذمة فتخبرونهم أن الله تبارك وتعالى لم يجعل على ذمي في ماله صدقة؛ لأن الصدقة ممَّن أخذت منه تطهرة، وأنه ليس على ذمي في شيء من الزرع ولا الفواكه ولا الذهب ولا الفضة ولا المواشي، ولا شيء مما يؤخذ منه من المسلمين زكاة قليل ولاكثير. وأنهم قد شغلوا أرض الله وأمواله عن العشر، وأنه لا يجوز لنا ترك ذلك في أيديهم، فتخيرونهم: فإن أحبوا أن يبيعوا ما اشتروا من المسلمين هم وآباؤهم وأجدادهم حتى ترجع أموال الله إلى العشر الذي جعله الله على المسلمين معونة للإسلام وأهله فيفعلوا؛ وإن أحبوا أن يقيموا عليها ويتركوا فيها، على أنهم يصالحوننا عوضاً من العشر على التسع مما يكال بالمكاييل مما يسقى بالعيون أو بماء السماء، أو على نصف التسع مما يسقى بالسواني والدوالي ويؤخذ منهم ذلك في القليل والكثير والمد والذهب؛ فأي هذين المعنيين أحبوا فافعلوه لهم.
فإذا صاروا إلى أحدهما فذمة الله وذمة رسوله في رقاب المسلمين لأهل الذمة، ولايكلفون كلفة، ولا يغرمون غرامة، ولا يسآء إليهم بحيلة. فمن تعدى ما ذكرنا فنحن المغيرون عليه، ومن كان بعدنا من عباد الله قايماً بما قمنا به من دين الله، والله على ذلك شهيد، ونشهد لهم عليهم جماعة من المسلمين ومنهم على ما أحبوا ورضوا من أحد هذين المعنيين، والحمدلله رب العالمين، وصلىالله على محمد وآله وسلم تسليماً.(1/749)
وله أيضاً صلوات الله عليه:(1/750)
جواب مسألة الرجل من أهل قم
بسم الله الرحمن الرحيم
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
سألت - عصمنا الله وإياك بعصمته، ووفقنا وإياك لمرضاته، وجعلنا وإياك من أهل طاعته، وختم لنا ولك بمغفرته، ونجانا وإياك من حيرة هذا الدهر برحمته، - عن معرفة الله تبارك وتعالى ما تصرفها في الخلق، وكيف تكوينها في العباد، وما محلها في الأجساد، وهل هي من أفعال المخلوقين، أم هي خلق لأحسن الخالقين، غريزة ركبها في عباده، فجعلها سبحانه كما خلق وركب وجعل فيهم من العقول؟.(1/751)
المعرفة
واعلم هداك الله أن المعرفة هي كمال العقل والعمل به، فإذا كمل العقل وصح واستعمل تفرعت منه المعارف والأفهام لذوي الفكر والاعلام، ومتى عدمت من الآدميين الألباب، لم تصح فيهم المعارف بسبب من الأسباب، بل تكون بِنَأْيِهِ أنأى من كل ناءٍ، وبدنوه أدنى من كل داني، تحضر بحضوره، وتعزب بعزوبه، محتاجة إليه وهو فغير مضطر ولا محتاج إليها، متفرعة من فروعه، كامنة في أصوله، كاينة بكينونته، وهو فغير متفرع منها ولا محتاج مضطر إلى كينونتها، بل هو مقيد العماد، راسخ الأوتاد. فكل معرفة كانت من العباد بالأزلي الخالق الجواد فبالعقول استدركها المستدركون من ذوي الألباب، واستخرجها المستخرجون، ووقف على حدود شرائعها العالمون، وعلى ذوي العقول افترضت معرفة الله وعبادته، وهم الذين ينالون بأداء فرائض الله ثوابه، ويستحقون برفضها دون غيرهم ممن سلب لبه عقابه، فالعالمون من ذوي الألباب هم المجازون بالحسنة الحسنات، وبالسيئات من الأفعال السيئات.(1/752)