قال: وكان يأمر صاحب بيت مال المسلمين أن يطعم المساكين والزمنى عشياً وغدياً على قدر قوتهم، وعلى قدر ما في بيت مالهم. وكان يأمر بالكسوة لهم في كل وقت تخاط ثياب قد اشتريت للرجال والصبيان والنساء، وكان يأمر في الشتاء من يتولى شراء الصوف، ويقول: إن لكل وقت كسوة، وإن لكل زمان لباساً.
قال: ورأيته يتفقد أهل الذمة ويقول: إن الحكم عليهم جار، وقد أوصى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول لهم: ما آذاكم من شي فأعلموني به، ومن اطلع على محرمكم أو تعرض لكم أحللت به ما أحل بنفسه، ومن نكث عهد الله وعهد رسوله. فكان لا يزال يُسلم منهم الواحد والاثنان، والمرأة والمرأتان لما يرون من عدله ورفقه.
رحمة الله عليه ورضوانه، وصلواته على جده محمد وعلى آله الطيبين وسلم.(1/743)
عهد الإمام الهادي عليه السلام لعمّاله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلواته على النبي وعلى آله الطيبين، وسلم تسليماً، هذا عهد عهده الإمام الهادي إلى الحق أمير المؤمنين يحي بن الحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر بنسخته لجميع العمال الموجهين إلى جميع المخاليف نسخة واحدة، حجة عليهم بالغة، يتخلص بها من أقامها، ويهلك بها عند الله من خالفها، ?لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وإن اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ?[الأنفال: 42]:
أيها العمال قد استعملتكم على جباية أموال المسلمين، وما استعملتكم حتى سألت عنكم، وبحثت عن أموركم، فذكر لي منكم من الخير ما استجزت به الاستعانة بكم على ضم أموال الله تبارك وتعالى.(1/744)
الأمر بتقوى الله وبالتواضع
فأول ما أوصي به نفسي وإياكم، وآمرها به وآمركم بتقوى الله عز وجل، والمخافة له في السر والعلانية. وآمركم أيها العمال بالتواضع لله، وترك الكبر على عباد الله، وأن تعرفوا أنفسكم وما مِنْه خُلِقتم، وما إليه تصيرون؛ وكل ما أراكم الله سبحانه محنة وخيراً ازددتم لله تواضعاً وشكراً، فإنكم إن فعلتم ذلك يحسن منقلبكم إلى خالقكم، وسلمتم غداً من عذاب ربكم.
الأمر بتعريف الرعية ما أوجب الله عليها
وآمركم من بعد ذلك بتعريف الرعية بحق الله، وتعليمها ما أوجب الله عليها من معرفته سبحانه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن المنكر والمظالم، وترك معاصي الله، والتعدي في أمر الله.
التحري في اختيار العمال
ثم آمركم أن لا تبعثوا خارصاً، ولاتستعينوا في أموركم مستعاناً، حتى تستحلفوه على كتاب الله: لَيَجتهدَنَّ وينصحن، ولا يحيفن على أحد من المسلمين ولا من المؤمنين، وعلى أنه إن التبس عليه أمر أو شك فيه جعل الميل في ذلك على أموال الله دون أموال عباده من بعد الاجتهاد لنفسه، والامتحان في ذلك لعقله.(1/745)
أحكام العشور
ثم آمركم أن لا تأخذوا في طعام من الأطعمة كائناً ما كان من الأصناف المصنفة التي تكال بالمكاييل حتى تبلغ سبعة عشر ذهباً إلا ثلثاً. فإذا بلغ كل صنف من الطعام سبعة عشر ذهباً إلا ثلثاً بالمكوك، أُخذ مما يستقى منه بماء السماء، أو بالعيون عُشراً كاملاً، وما يسقى منه بالسواني نصف العشر، ولا يضم زبيب إلى ذرة، ولا ذرة إلى شعير ولا شعير إلى حنطة.
وآمركم أن تأخذوا من كل ما لا يدخله المكيال من فاكهة أو قصب أو غير ذلك العشر، إذا كان يؤدي كل صنف من صنوف الفاكهة مائتي درهم قفلة في السنة، وكذلك القصب وجميع الخضر العشر كاملاً إذا سقي بالعيون، أو بماء السماء، وما سقي من السواني من ذلك ففيه نصف العشر، وكذلك الحكم في الورس، وكل ما أنبتت الأرض، مما لا يكال.
فأما العسل فمن كان له من النحل ما يستغل في كل سنة قيمة مائتي درهم قفلة عده من الحول إلى الحول ففيه العشر كاملاً في قليله وكثيره، إذا كان يأتي في السنة بمائتي درهم قفلة.
أحكام زكاة الغنم
وآمركم أن تأخذوا ما أوجب الله في الغنم. وليس فيما دون أربعين شاة زكاة على مسلم، فإذا بلغت أربعين ففيها شاة فارهة، لا من خيار الغنم ولا من شرارها، ثم ليس في الغنم غير تلك الشاة حتى تزيد على العشرين ومائة واحدة، ففيها شاتان إلى المائتين. فإن زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاث مائة، فإن كثرت الغنم ففي كل مائة شاة، يعد من أولادها ما قد مشى وأكل من الأرض.(1/746)
أحكام زكاة البقر
وكذلك في البقر؛ لا يجب فيما دون ثلاثين بقرة شيء فإذا وفت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة. ثم ليس فيها شيء حتى تكون أربعين، فيكون في الأربعين مسنة. ثم لا شيء فيها حتى تكون ستين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان. ثم لا شيء فيها حتى تكون سبعين، فيكون فيها تبيع ومسنة؛ إلى ثمانين، فيكون في الثمانين مسنتان. ثم في كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع.
أحكام زكاة الذهب والفضة
ثم آمركم أن تقبضوا من كل من معه ذهب أوفضة من التجار وأصحاب الأموال ربع عشر ما معهم من ذلك، من ذهب أو فضة أو عروض للتجارة. ولا يجب على أحد منهم في فضة زكاة حتى تبلغ مائتي درهم قفلة؛ ولا تجب في ذهب زكاة حتى يبلغ عشرين مثقالاً، ثم يكون فيه ربع عشره، وما زاد على العشرين فبحساب ذلك.(1/747)