مثال يدل على جواز القسمة على ما يراه الإمام من المصلحة
وسأضرب لك إن شاء الله ولمن عقل صواب رشدنا قولاً ومثلاً يبين لك حقائق علمنا، فليس كل متكلم مصيب في قوله، ولا كل منتحل للعلم عالم لكل ما يحتاج إليه، ?وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ?[يوسف: 76]، ومن طعن بغير علم على أولياء الله كان آثم أثيم بالقول. وما يذهب إليه الطاعن علينا بما لا يعلم متأول، في رجل مُتَوَلٍّ لأمور أيتام تحت يده، مسكنة صغار من ضعفة لهم أرض بعضها أعناب، وبعضها حرث، فاستغل لهم من ذلك العنب زبيباً، ثم حدث في العنب والحرث حدث من سيل فأخرب الحرث، أو نار أحرقت العنب، وخشبه، أكان الواجب عندك في دين الله وفرضه، وما حكم على ولي اليتامى في حكمه أن يصلح حرثهم وعنبهم بما قد أخذ من الثمن قبل خراب الحرث والعنب وينفقه ويرده عليه، ولو مدوا أيديهم لطلب الصدقة، وبدت منهم في تلك السنة الخصاصة والحاجة، حتى يصلح عنبهم إذا رد فيه ما احترق من خشبه، ويصلح أرضهم إذا عمرت، فتغل أرضهم وعنبهم في كل سنة من بعد صلاحه ما يعيشون به، ويرجع نعيمهم إذا رجعت عليهم، ويكمل حسن حالهم لصلاح أموالهم، أم تترك أرضهم وعنبهم خراباً، ويخليها فاسدةً يبَاباً، وينفق الغلة التي انفقها في صلاح مالهم عليهم فيأكلونها سنتهم، ويهلكون في طول عمرهم، إذ قد خربت أموالهم؟
فإن قلت: ينفق عليهم هذه الغلة فتخرب أموالهم. فقد قلت قولاً شططا، وحكمت في ذلك بغير الحق حكماً، إذ لم تحسن لها ولا الأيتام نظراً، ومن لم يحسن النظر لأيتامه فقد باء عند الله بغب آثامه، وشهد عليه جميع الرجال بالقول الفاحش والمحال.
وإن قلت: بل يعمر ضياعهم، ويحيي أموالهم بهذه الغلة اليسيرة، ليلحقوا بذلك في أموالهم المعيشة الكثيرة الدائمة الكافية الغزيرة، فقد أصبت في قولك، وقلت حقاً في حكمك، وفعلت ما يصوِّبك فيه الجهلاء فضلاً عن أهل العقول من العلماء.(1/733)


فإذا قلت بذلك من الحق وتكلمت فيه بقول الصدق، فكذلك فقل في فعلنا في بلاد رعيتنا، ومواضع ضعفتنا، ألا ترى أنا لو قسمنا هذه الزكاة على أهلها في وقت الحاجة حاجة الإسلام والمجاهدين إليها، ونزول الخصاصة بالمدافعين عن أهلها، فافترقوا عنَّا، وانتزحوا من قربنا فوقع الضعف على الإسلام والمسلمين بما وقع من الخصاصة بالمجاهدين، وقوي بذلك أهل الضلال من المضلين، ففسد أمر الرعية واختلفت أحوال البرية، ووقع الضياع عليهم، وكثر الجياع، واختلفت أمورهم، وساءت أحوالهم، وشحَّ بالمعروف أغنياؤهم، فهلك لذلك فقراؤهم، وخافت سبلهم، وخربت أموالهم، وظهرت عليهم أعداؤهم، وإن نحن رددنا زكاة الأمصار على المجاهدين والأنصار دون أهلها من هذه الأصناف المذكورة، ووقت ما ينزل بالمجاهدين الحاجة والضرورة، قوي الحقَّ، وضعف الفسق، وعاش في الدار المستضعفون، وجاد بالمعروف الأغنياء، واستغنى في دار معروفهم الفقراء، وأمنت سبلهم، وحسنت حالهم، وزال ضرهم، فهذا والمثل الذي ضربناه أولاً سيان في القول والمعنى اثنان، والحمد لله على الخلق والاستواء، ففكر فيما ذكرت لك بلبك، وانظر فيه إذا نظرت بخالص مركب عقلك، يبين لك في ذلك الصواب، ويزول عنك فيه الشك والارتياب.(1/734)


بم تثبت الإمامة في الإمام من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
وسألت عن إثبات الإمامة في الإمام من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: بما تثبت له أبعقد الناس وإجماعهم عليه، أم برواية رويت عن الرسول فيه، أم بغير ذلك؟
واعلم هداك الله أن الإمامة لا تثبت بإجماع الأمة، ولا بعقد برية، ولا برواية مروية، ولكن تثبت لصاحبها بتثبيت الله لها فيه، وبعقدها في رقاب من أوجبها عليه من جميع خلقه وأهل دينه وحقه، وذلك قوله سبحانه:?أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ?[النساء: 59]، وأولو الأمر الذين أمروا بالكينونة معهم فهم الصادقون بادعاء الإمامة، وهم المستوجبون لها والمستحقون لفرضها، وهم من كانت فيه الصفات التي تجب له بها الإمامة: من ولادة الرسول، والعلم، والدين، والزهد، والورع، والمجاهدة لأعداء الله من كشف رأسه، وسل سيفه، ونشر رايته، ودعا إلى الحق وعمل به، وزاحف الصفوف بالصفوف، وأزلف الألوف إلى الألوف، وخاض في طاعة الله الحتوف، وضرب بالسيوف الأنوف، وأقام حدود الله على من استوجبها، وأخذ أموال الله من مواضعها، وصرفها في وجوهها، وكان رحيماً بالمؤمنين، مجاهداً غليظاً على الكافرين والمنافقين، معه علَمُه ودليله. والعلَم والدليل: الكلام بالحكمة، وحسن التعبير، والجواب عند المسألة، والفهم لدقائق غامض الكتاب، ولدقائق غيره من كل الأسباب التي يعجز عن استنباطها غيره، ويضعف عن تثبيتها سواه، فمن كان في الصفة كما ذكرنا، وفي الأمر كما قلنا فهو الإمام الذي عقد الله له الإمامة، وحكم له على الخلق بالطاعة فمن اتبعه رشد واهتدى، وأطاع الله فيما أمر به واتقى، ومن خالفه فقد هلك وهوى، وأفحش النظر لنفسه وأساء، واستوجب على فعله من الله العذاب الأليم، والخلود في الهوان المقيم، ?أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا(1/735)


وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ?[السجدة: 18- 20]، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد، كثيراً طيباً مباركاً فيه.(1/736)


من سيرة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
الانهزام بسبب المعاصي
روى أصحاب الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين رضي الله عنه:
أن آخر حروبه كان بنجران، وأنه كان ذات يوم عليلاً من علته التي توفي فيها، وأن العدو ابتدروا لخيل الهادي إلى الحصن، وخرجت خيل الهادي وكان مريضاً فلم يخرج، فلما تراءت الخيلان كانت الحملة على أصحاب الهادي، فولوا مدبرين، وقتل رجل من أصحاب الهادي يقال له يوسف بن أبي حرب العنسي، وكان راجلاً، وهو آخر شهيد استشهد من أصحابه، ولم يكن للهادي بعد ذلك قتال حتى توفي رضي الله عنه. فلما أُتي بيوسف قتيلاً، خرج الهادي من منزله إلى أصحابه حين اهتزموا فوبخهم، وقال: حين تخلفت منكم ساعة واحدة وجد العدو فيكم مدخلاً، ولم تعطفوا على أخيكم يوسف حين خرج معكم فتستنقذوه من يد العدو، اما إنكم لو كنتم على حقيقةٍ ما فعلتم هذا الفعل، ولقد فسدت قلوبكم ولن تروا بعدي إماما تقاتلون معه مثلي حيناً من الدهر، هذه ثمرة فساد قلوبكم، وفساد النيات وإظهار الملالة للجهاد، وضعف اليقين، وهذا فعل من باء بسخط من الله في تولية الأدبار بغير عذر ولا إبلاء في العدو.
قالوا: ثم وقع علينا الذنب بما فعلنا، وكثر احتجاجه علينا وتوبيخه لنا، حتى جددنا البيعة له، وأعطيناه الصفقة، وصححنا التوبة.
ثم قال: اعلموا أنه ما نكص قوم على أعقابهم الاّ بمعصية فيهم لله عز وجل.(1/737)

147 / 172
ع
En
A+
A-