غلاماً فقتله، فقال له موسى: ?لَو شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا?[الكهف: 74 - 77]، يريد بهذا منه إذ هو خائف لا يؤمن سقوطه فأُجرت في ذلك، فقال العالم لموسى: ?هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا?[الكهف:78]، ثم أخبره بمعاني أفعاله، وصواب أعماله التي كانت عند موسى منكرة عظيمة، فاحشة كبيرة، وهي عند الله وعند العالم صواب، وعند موسى صلى الله عليه خطأ وارتياب، إذ لم يعلم وجه أمرها ولم يقف على كنه خبرها، فيصح له نير صوابها كما وضح لفاعلها، فقال فاعلها لموسى: ?أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا? إلى قوله ?مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا?[الكهف: 79].(1/718)
فكذلك حال الإمام فيما شرحت، وحال من ذكرت ممن أنكر فعل الإمام، إذ لم يكن علمه كعلمه، ولا حاله في المعرفة بالنازلات كحاله، وكيف يستوي المتفاوتان أو يتزن الرطل والرطلان؟ لا كيف! وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: ?هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ?[الزمر: 76]، ويقول سبحانه: ?وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ?[يوسف: 76]، ويقول: ?وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ?[العنكبوت: 43]، ويقول سبحانه: ?أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ?[الرعد: 19]، ويقول سبحانه: ?وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلا قَلِيلاً?[النساء: 83]. ومن لم يعرف رحمك الله أمراً أنكره، ومن لم يقف على معنى شيء دفعه. ولو حسن يقين من أنكر فعل الإمام لم يعجل بالعيب في ذلك عليه، غير أن وساوس الشيطان تتمكن في قلوب أهل الشك والريب من الإنسان، والشك والريب فلا يثبت معهما محض إيمان، ألا تسمع كيف يقول في ذلك الواحد الرحمن: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ?[الحجرات: 15] فلم يحكم بحقائق الإيمان إلا لمن بعد منه الارتياب في وجوه الدين والإحسان، فنسأل الله الثبات على دينه والتوفيق لما يرضيه برحمته.(1/719)
ذكر سبب الزيادة على الحد
ذكرتَ ضربنا من نضربه من بعد الحد الذي ألزمه الله تعالى إياه، فقلتَ: ما سبب هذه الزيادة من بعد تمام الحد؟
واعلم - أكرمك الله - أن الله سبحانه حكم على الأئمة وافترض عليهم حسن النظر للبرية، وأن تفعل في كل معنى ما ترجو به الصلاح للرعية. وهؤلاء القوم الذين ترانا نضربهم بعد الحد في أرجلهم ثلاثين، وأربعين، وعشرين، فهم قوم قد بايعوا على الحق، وأعطونا عهودهم على الصدق وعلى الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم والمنكر، ثم نكثوا بعهودهم، وحنثوا في أيمانهم، فعملوا المنكر في أنفسهم، ورفضوا المعروف الذي يأمرون به غيرهم، وردوا الفسق بعد موته، وأحيوا المنكر في دار الحق بعد خموله، فكان أقل ما يجب على من نكث عهده، وحنث في يمينه التي أقسم فيها باسم ربه أن يكون عليه في نقضه لعهده، وحنثه بقسمه أدب لما اجترى به على ربه، وتمرد به في ذلك على خالقه، فأدبناه كما ترى غضباً لله، وانتقاماً لدين الله، وتنكيلاً له عن نقض العهود المعقدة، ورد الفاحشة بعد خمولها في دار الحق، وإظهار الكبائر والفسق. فهذا سبب أدبنا لمن نؤدبه بعد حد الله، وذلك الواجب على كل إمام في دين الله أن يفعله لمن نقض عهده، ونكث بعد قسمه بالله، ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: ?وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ?[البقرة: 224]، أن يحلف المرء بالله كاذباً، أو ينقض لله عهداً. وما نهى الله عنه ومنع عباده منه فلا بد لكل من اجترى عليه وفعله من الأدب، وإلا فلم يكن لنهي الله عنه معنى ولا سبب، فهذه حجتنا فيما عنه سألت من ذلك، فتدبر القول فيه يصح لك صوابه، ويزول عنك شكه وارتيابه.(1/720)
ذكر خرص الثمار
وكذلك ما ذكرت وعنه سألت من خرص النخل وحزرها.
وهذا الأمر لا ينكره مسلم، ولا يدفعه من كان لأحكام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلماً؛ لأن الأمة كلها بأسرها - إلا أن يكون الشاذ الضعيفَ العلمِ - مجمعة على أن رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، خرص وحزر ثمار المدينة وثمار خيبر، وكان يرسل في كل سنة عبدالله بن رواحة الأنصاري فيخرص الثمار كلها، ثم يأخذهم بخرصها، ويحكم عليهم بما حزر فيها، ونحن فكذلك فعلنا، وبه صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك اقتدينا. ثم احتطنا من بعد ذلك باستحلاف من أمرناه بخرص الثمار، فإذا أردنا أن نوجه قوماً يخرصونها من ثقات من نعلم، وأبصر من يفهم بخرص الثمار، ممن قد جرب فهمه، وامتحن في ذلك نفسه، ثم امتحنه فيه غيره حتى صح أنه أقرب أهل بلده إلى المعرفة بما وجهناه له من حزر التمر فيخرصه، ثم نستحلفه بأوكد ما نحلف به: لتنصحن ولتجتهدن ولتخرصن ولتقصدن الحق بجهدك، ولتحزرنه بطاقتك، ولا تعمدن لمسلم غشاً، ولا لمال الله وكساً، ولئن شككت في شيء من ذلك والتبس عليك لتجعلن الحمل على أموال الله دون أموال عباده. ثم ننفذه فيما به أمرناه، فيجتهد ويخرص ويكتب ما يحرز ويخرص. فإن شكى أحد من الناس بعد ذلك غبنًا فيما خرص عليه وحزر استحلفناه على ما أتى من ثمره وصدقناه، وأخذنا منه على ما حلف عليه وتركناه. وكذلك قد نخير من خرصنا عليه نخله فنقول: إن شئت فخذ بما قد خرصنا، وإن شئت أخذنا وأوفيناك حقك على ما خرصنا وقسمنا. فهل على من فعل ذلك حيف أوجور، أوتحامل في شيء من الأمور، أم على من اقتدى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطعن في مقال من المقال، أو تعنيف في فعل من احتذى به فيه كائناً ما كان من الأفعال. كلا! وفالق الإصباح، ومجري الرياح، إن من كان كذلك لبعيد من الخطأ في كل ذلك. وليس يلزم أهل العلم فيما يفعلون من الفعال إنكار من لا علم له من أهل الجهل، وإنما قول العلماء هو(1/721)
الحاكم على أقاويل الجهلاء، وليس أقاويل الجهلاء بأهل أن يحكم بها على العلماء، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين.(1/722)