المسألة الثانية
في رجل له ثلاثة عبيد فقال: إني أعتقت واحد من عبيدي هؤلاء. فقالوا: فعين المعتق من هو هذا، بل هذا، بل هذا، ثم وقف على الآخر منهم. ما الحكم فيهم؟ وهل فرق بين أن يكون أحدهم قد ادعى أنه المعتق أم لا؟
الجواب عن ذلك: أن قول السيد هو هذا بل هذا إضراب عن الأول وإثبات للثاني، فهو بمنزلة الاستثناء من النفي بالإثبات، ولا فرق عندنا بين أن يكون أحدهم قد ادعى العتق لأن تصديق المدعي يتنزل منزلة الإقرار، فإذا استثنى في الإقرار صحَّ الاستثناء، ويصح فيه العطف والإضراب، إذ هذا من صحيح ما تعتمده العرب في لسانها، وحمل كلامهم على الوجه الصحيح في لسانهم أولى، فإن استقر على مدعي العتق أو لم يستثنه ولم يضرب عنه فإن صحت دعواه وإلا لم يثبت إلا بالبينة كما في سائر الدعاوي.(1/437)
المسألة الثالثة
في رجل اشترى أرضاً للغير فيها شفعة فقال: المشتري اشتريتها بمائة. فشفع الشفيع، وأخذ المبيع، ودفع على مائة وخمسين فأقام البينة على ذلك هل يلزم الشفيع أم لا؟
الجواب عن ذلك: إن على الشفيع ما ادعى المشفع إن صدقه، ولا شيء عليه سوى ذلك إلا ما قامت به البينة؛ ودعوى البائع إنما هي توجه على المشتري منه الأول الذي قام عليه الشفيع، وإذا أقام البينة كانت الدعوى متوجهة على المشتري منه دون الشفيع ولم يكن على الشفيع إلا ما ادعاه عليه المشفع إن صدقه أو قامت به البينة إن ناكره.(1/438)
المسألة الرابعة
في رجل عقد على أرض كثيرة عقداً واحداً إما وقفاً أو صدقة أو هبة أو غير ذلك، وهي كلها معلومة محدودة إلا واحدة منهن فإنها مجهولة هل يفسد العقد جميعه أو يفسد المجهول على حدة؟
الجواب عن ذلك: إن دعوى الجهالة لواحدة من الأراضي لا يتحقق مع إطلاق لفظ واحد عليها، فإن وقع بعض الجهالة لحق بالمعلوم، كالذي يقول: كلما أملك صدقة. لحق هذا اللفظ كل شيء ملكه له دون غيره فإن كان له مال لم يعلم، كان في حكم المعدوم على الأصل، وإن كانت تصير معلومة بالثاني فهي في حكم المعلومة في الأول، وإن لم يصح أن تكون معلومة في الثاني كانت في حكم المعدومة في الأول فاعلم ذلك.(1/439)
المسألة الخامسة
في رجل صام أياماً قضاءً عن صيام فاته، ثم أفطر ناسياً هل يجب عليه الإمساك أم لا يجب؟
الجواب عن ذلك: إنه لا يجب عليه الإمساك إذا أفطر ناسياً في غير شهر رمضان، وإن كان في قضاء شهر رمضان إذ لا حرمة لشيء من الأيام سوى رمضان؛ فإذا أفطر لم يبق للإمساك حكم لفقد الحرمة، فاعلم ذلك.(1/440)
المسألة السادسة
في رجل صلى المغرب أو العشاء ثم اختار القراءة في موضع التسبيح. هل يقرأ الحمد وسورة، أو الحمد فقط؟ وهل تكون القراءة جهراً أو مخافتة كيف بيان ذلك؟
الجواب عن ذلك: إن له أن يسبح وأن يقرأ؛ والقراءة عندنا أولى فإذا قرأ أجزأه الحمد ولا يلزم إضافة سورة أخرى إلى الفاتحة؛ لأنا لم نوجب إضافة السورة لمجرد إيجاب القراءة، وإنما ذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((وسورة معها)) وفي بعض الأخبار ((وقرآن معها)) بعضها ((وشيء معها)) فإذا قرأ الفاتحة كان قد ذكر.
وأما قوله: يجهر أو يخافت. فليس له إلا المخافتة قولاً واحداً، بدليل أنه لو كان جهر صلى الله عليه وآله وسلم في الركعة الأخيرة من المغرب والركعتين الأخيرتين من العشاء لما وقع الخلاف في القراءة والتسبيح، وإنما خافت؛ فقائل يقول: قرأ. وقائل يقول: سبّح. ومن جهر فقد ابتدع وخالف المعلوم من دينه صلى الله عليه وآله وسلم وسنته، فاعلم ذلك.(1/441)