اعلم أيَّدك الله: إن أغراض أهل العلم لا يتمكن من الاتصال بمعرفتها إلا بأن تعرف عللها، وقد ثبت أن كل فعل يفعله الإنسان أو يكون في الحكم كأنه من جهته فإنه يلزمه في الحكم، وإن كان فعل غيره كما يقول فيمن يلقي نفساً بين المطر فتموت، أويغلق على إنسان باباً ويمنعه من الطعام والشراب، فإن الموت في المسألتين وإن كان فعل الله سبحانه فهو لازم له في الحكم كأنه من جهته، والدابة لها شبه بالآلة من حيث فقد العقل، ولها ضرب من الاختيار لمكان الإلهام؛ فإذا أرسلها في الزرع صارت كالآلة فما حصل منها والحال هذه لزمه، كحافر البئر وناصب الحجر في طريق المسلمين، وإن لم يقع الضرر بهما في الحال فهو لازم له، فأما إذا خلع رسنها فأكثر ما فيه أنه مكنها من فعل ما يوجب الضمان وكانت حركتها للضرر، وفعل الضرر قد وقف على اختيارها فصار بمنزلة من يرى رجلاً يروم قتل آخر ويرفع الحديد فيناوله سيفاً أو سكيناً فقتله به فإنه لا يلزمه والحال هذه ضمان، وإن كان قد مكَّنه مما يوجب الضمان بخلاف ما لو كان السيف بيده مسلولاً، ثم دهقه فقتل به آخر فإن الضمان على الداهق لأن القاتل صار والحال هذه بمنزلة الآلة، فهذا ما أمكن في هذه المسائل على وجه الاختصار لمكان تكاليف الأشغال، فتفهَّم موفقاً.(1/427)


مسألتان لم يعلم من سأل عنهما
فأحببنا وضع الجواب له إن وقف عليه أو لغيره تعرضاً للثواب من الله سبحانه.
الأولى
في رجل تزوج امرأة ودخل بها، ثم غاب عنها، وصار يدور في البلاد، ولا يقوم بشيء من حقوقها، ولا بنفقة له بما يجب لمثلها على مثله.
قال السائل: هل لقاضي الإمام أن يكرهه على تسليم ما يجب عليه من دون وكيل المرأة أم لا؟ وهل له أن يكرهه على الطلاق أم لا؟
الجواب عن ذلك: إنه لا يلزمه والحال هذه إلا أن يكون لها وكيل أو ولي مطالب؛ لأن الحال يحتمله، والحقوق لا تلزم بالتجويز؛ فإن علم منه تمرداً عليها بعد المطالبة وأنه قد صار يفر من بلد إلى آخر مما يلزمه من الحق، كان لولي الإمام أو حاكمه إكراهه على الاستقرار بما يلزمه والإنفاذ إلى المرأة لتقيم وكيلا ينازع لها لأن الإمام إنما قام لمصالح المسلمين وهذا من أهم المصالح، فأما الإكراه على الطلاق فلا يصح. فافهم ذلك موفقاً إن شاء الله تعالى.(1/428)


الثانية
في رجل أخذ من طعام مغصوب ملئ كفه ثم طرحه على باقي الطعام هل يلزمه كل الطعام أم لا يلزمه إلا ما حركه؟
الجواب عن ذلك: إنه لا يلزمه من الطعام إلا ما قبضه، ولا يلزمه ما حركه منه بطرحه أيضاً فلا يلزمه باقي الطعام، وإنما قلنا ذلك لأن الضمام لا يلزمه إلا بالغصب، والغصب لا يصح إلا بالقبض ولم يقبض إلا قدر ملئ الكف فاعلم ذلك.
ومما سأل عنه قال أيَّده الله: هل يجوز لمن عليه حق لله سبحانه وحق للمخلوقين وهو معسر ثم أنفق على ما يحتاج من أهله ممن لا يرى منه بداً أم لا؟
الجواب عن ذلك: إن من لزمه حق الله سبحانه وحق المخلوقين فإنه لا تجب عليه التأدية في حال الإعسار وفي تقديم حق الله سبحانه أو حق المخلوقين؛ إن كان لمعيَّن فهو أولى بالتقديم من حق الله سبحانه وتعالى، لأنه لا يجوز صرف حق الله سبحانه إلى غير معيّن من المستحقين، والآدمي معيَّن فالمعيَّن أولى، فإن استويا في الوجوب ولزمه ذلك كان له أن يصرفه فيمن لا يجب عليه نفقته من أقاربه، بل ربما يكون ذلك أولى.(1/429)


المسألة الثانية
قال أيَّده الله: إذا كان على رجل دين لله سبحانه وللمخلوقين ومعه شيء هين لكسوة له أو لنفقته لا يجد به في الوقت عوضاً؛ هل يجب عليه قضاؤه إذا ضيق عليه، أم يجوز له ينتفع به إلى أن يحصل غيره؟
الجواب عن ذلك: إن وجوب الأداء والحال ما ذكره السائل أيَّده الله يختلف بكثرة الدين وقلته، وسعة المصر وضيقه، فإن كان الدين كثيرا والذي في يده يسير وهو مفلس جاز له الانتفاع باليسير لنفسه وولده، وكذلك إذا كان في مصر ضيق الحال قليل المرفقة في الاكتساب وكان معه قدر الذي إذا قضى به دينه أدى إلى تلفه وتلف أهله والإجحاف بحالهم كان له أن يستمتع باليسير إلى أن يأتي الله سبحانه بفرج مما نزل به، وإن كان معه اليسير وعليه من الدين اليسير وهو في حكم الغني في هذه الحال فعليه القضاء، وإن لحقه بعض الضر؛ لأن الحقوق لا ترفع باستضرار من لزمته تأديتها.(1/430)


المسألة الثالثة
قال أيده الله: إذا سافر رجل بلداً بعيدة واستخلف رجلاً آخر على أهله وسلم إليه المسافر شيئاً ينفقه عليهم وفي بيته شيء لم يأمره ينفق منه، ثم أنفق ما سلمه إليه إلى أن نجح، وقد جعل المسافر نفاقه من جملتهم، فاختص المستخلف من ذلك بشيء من دونهم ولم يعلم هل يكره ذلك أم لا يكرهه، وغالب ظنه أنه يكرهه ما يلزمه إذا أراد الخلاص؟
قال أيَّده الله: ثم بعد نجح ما سلمه إليه باع مما في البيت وأنفق عليهم بغير إذنه؛ ما يلزمه إذا أراد الخلاص؟، وادعىرجل آخر بعد ذلك أن من جملة ما في البيت شيئاً وديعة له أو رهناً، ولم يعلم المستخلف ذلك، وإن كان يظن صدقه ما يلزمه في ذلك مع أن المسافر لا يرجى له وصول في هذا الزمان، هل يتضيق عليه من ذلك شيء قبل وصوله أم لا؟
اعلم أن هذه المسألة تشتمل على ثلاث مسائل، ونحن نفصل لك الجواب مختصراً إن شاء الله.
اعلم أن المسافر إذا استخلف رجلاً على أهله وسلَّم إليه المسافر شيئاً ينفقه عليهم وعليه، كان له أن ينفق عليه إلى قدر أجرته وعليهم إلى قدر حاجتهم، وما يعتاد مثلهم من مثله؛ فإن اختص بشيء دونهم مما يزيد على المستحق لم يجز له إلا بإذنه، وإن ظنَّ كراهته كان ذلك أعظم في باب منع الجواز.
الثانية
إذا نجح ما أمره بإنفاقه هل له أن يبيع مما في البيت للإنفاق أم لا؟.(1/431)

86 / 170
ع
En
A+
A-