الجواب عن ذلك: إن المحلف لا يخلو إما أن يكون إماماً أو غيره؛ فإن كان إماماً لزمه النذر بإجابة الحالف بنعم لأن الخليفة له بالنذر حكم عليه بذلك، وحكمه ماض، وولايته العامة توجب عموم التزام التصرف ما لم يخالف أمر الله تعالى، وإن كان غيره فلا يخلو إما أن يكون على ما يلزم عليه الحلف أو لا يلزم، فإن كان على ما يلزم عليه الحلف على بعض الوجوه فبحلفه التزم ذلك فلزمه، وإن كان في الأصل غير لازم صار بالالتزام لازماً، وإن حلف في ما لا يلزم فإما أن ينوي النذر أو لا ينوي، فإن نوى لزم وإن لم ينوي لم يلزم.
وسألت عن رجل صرف زكاته إلى المسلمين في بلد ليس لإمام فيها حكم نافذ هل يجوز له أم لا مع اعتقاده أنه إمام ما يجب على الصارف والمصطرف وهل إذن الإمام يكون إذناً للآخر أم لا؟ فإن كانا قد فعلا ذلك ما يجب عليهما فيه؟.
إن الإمام بصحة إمامته وظهور دعوته يصير مالكاً لتصرف الجميع حكماً من الله سبحانه نافذاً، وقضاءً ماضياً، فإن لم تنفذ أوامره في بعض الجهات فالأمر يرجع إليه فبمعصيتهم لا تسقط أحكامهم، ومن المعلوم أن الأئمة عليهم السلام قاتلوا على تأدية الحقوق وقال أبو بكر بمشهد الصحابة: لو منعوني عناقاً، وفي أخرى عقالاً مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلتهم عليه فلم ينكره أحد فجرى مجرى الإجماع.(1/417)


والولاية العامة التي جعلها الله سبحانه توجب له ملك التصرف على الجميع، ولا يكون من نأى عنه معذوراً مع التمكن إلا أن يعذره الله سبحانه، وليس للمسلمين أن يقبضوا المال ولا لصاحب المال أن يعطيهم إلا بإذن شرعي، فإن كان الصارف يعتقد الإمامة كان الحكم آكد، وإن كان الجهل ليس بعذر لمن ركبه بل جرم يضاف إلى آخر، فإن طالب الإمام الغرامة كان ذلك عندي له سائغ واستحب له الإشعار بالمطالبة ولا أوجبه عليه بعد ظهور الدعوة وتجب الغرامة عليهما فأيهما سلم برئت ذمة الآخر، ولا يسقط الإثم إلا التوبة، وإذا أذن الإمام لأحدهما أو علم كان الإذن للجميع، وإن أذن للصارف ولم يعلم المصطرف لم يجز له، فإن أخبره بالإذن وصدقه جاز، وإن اتهمه لم يجز وسواءً كان الخبر للآخذ أو المعطي في أنه إذا غلب في ظنه صدقه جاز الأخذ والإعطاء.
وسألت عن رجل عنده دين لمسجد وذلك الدين من مال للطعم هل يجوز له إطعام ذلك الدين الذي عليه على طريقة الاحتساب من غير تسليمه إلى الوالي أو أمر الوالي بذلك ولم يقبضه الوالي منه؟
الجواب عن ذلك: إن الاحتساب لا يكون إلا مع عدم الولاية، فإذا وجدت الولاية سقط حكمه، وإن أطعم بالدين الذي عليه مع التمكن من الوالي بوجه من الوجوه كان ضامناً ولزمه القضاء ثانياً، وكان كالمتبرع بالأول وله أجر ما لم يقصد مخالفة مقتضى الشرع، فأما إذا أمر الوالي بذلك جاز وإن لم يقبضه الوالي لأنه للأمر كالوكيل بالقبض والتصرف.(1/418)


وسألت عن رجل صار معه من مال ظالم شيء فاستهلكه وهو من أصله ماله، ثم مات ذلك الظالم وعليه مظالم كبيرة تستوعب ذلك الدين وأمثاله؛ هل يجب عليه رده إلى الورثة، أم تستوعبه الديون التي من بيت المال وغيره من ديون المخلوقين؟
الجواب عن ذلك: إن من قبض شيئاً من أصل مال الظالم المستغرق لما في يده من الحلال باستهلاكه الحرام ثم مات، أن المال ينتقل حكماً إلى بيت المال ولا حق للآدميين، وإن كان عليه دينهم لأن دينهم إنما يلزم في ماله ومات، ولا مال له على الحقيقة لأن المخلف له مال الله سبحانه بالاستحقاق، ومال الله سبحانه لا يقضي عنه؛ وإنما يجب صرف ما عليه له من الدين إلى الإمام أو إلى بيت المال.
وسألت عن رجل صار معه شيء من مال الميت ثم ادعى قوم أن لهم فيه بيعا، وادعى آخرون أن لهم فيه وراثة، وشهد قوم آخرون أن بعضه صدقة ولم يجدوا، وكثرت فيه الدعاوى، والورثة منكرون لذلك والتبست الأمور فيه ولم ندري الأخذ إلى من يتخلص بالذي أخذه؟
الجواب عن ذلك: إن مستقر مال الميت في أيدي الورثة، وما يدعي فيه بعد ذلك هو الطارئ، فما ثبت كان أولى من الورثة، ومدعي الإرث لا بد أن يصحح النسب أو السبب وإلا فلا تحقيق لدعواه، ومن ادعى صدقة في المال لا بد أن تكون محدودة معلومة وإلا فلا شيء على الوارث من باب الحكم، فأما الاحتياط فله حكم آخر فإن أرادوا ذلك أخرجوا سهماً من المال ينفع المصرف نفعاً ما؛ لأن هذا حكم البعض دليله الاستثناء، وسائر الدعاوي يرجع فيها إلى الحكم وإذا سلم إلى الورثة والحال هذه أجزاه إن طالبوه وجب عليه التسليم إليهم.(1/419)


وسألت عن صبيين شجَّ أحدهما الآخر ثم بلغا ولم يطالب المشجوج الشاجّ بالأرش فلايؤدي الشاجّ إليه هل يجوز له أم لا؟
الجواب عن ذلك: إن المشجوج لا يخلو إما أن يعلم بالشجة أو لا يعلم فإن علمها فلا تخلو إما أن يعلم أن لمطالبته تأثيراً أم لا؛ فإن كان عالما وهو يعلم أن لمطالبته تأثيراً وسكت لم يجب على الشاج التودي إليه ووجب توطين النفس على القضا عند المطالبة والوصية عند الموت؛ فإن كان غير عالم أو عالماً ولكن مثل الشاج لا يوفي المشجوج حقه وجب عليه التودي، وإنما قلنا ذلك لأن الشجة لم تكن في الأصل معصية فاعلم ذلك.
وسألت عمن عليه كفارات أيمان بالله تعالى وهو فقير، ما حد الفقر الذي يجوز له فيه أن يكفر بالصوم؟
الجواب عن ذلك: إن الفقر الشرعي أن لا يملك مائتي درهم، أو عشرين مثقالاً، أو ما قيمته ذلك بما خلي ما يعظم بالمتخلي عنه البلوى فإذا كان كذلك فإنه يجوز له أن يكفّر بالصوم إن خشي من التكفير بالإطعام مجحفة أو مضرة شديدة، وإن ملك دون المذكور ولم يخف ما ذكرنا لم يجزه إلا الإطعام أو ما يقوم مقامه؛ لأن الرجل علل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يملك شيئاً البتة فاعلم ذلك، وقد علله تعالى بأن لا يجد، وكان الوجد يسقط الحكم.
وسألت هل يجب في الجراد والصيود خمس أم لا؟ وعندي أن الخمس يجب في كل شيء مما يغنم لأن الله تعالى قال: ?مَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ? وهذا مغنوم وهي شيء.
وسألت هل يكون تقليد الحي أولى من تقليد الميت في الشرعيات أم لا؟(1/420)


الجواب عن ذلك: إن التقليد في الشرعيات واجب بالدليل، قال تعالى: ?أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ?[الأنعام:90]، وقال تعالى: ?لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ?[الأحزاب:21]، وقال تعالى: ?أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى?[يونس:35] وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالرجوع إلى قضاته وولاته وألزم ذلك حتماً، والمرجح فيه سكون النفس إذ هو نهاية التقليد في الشرعيات، إن سكن نفس المقلد فيكون مكان العلم ظناً، فما كان أقرب إلى السكون كان أولى سواءً كان حياً أو ميتاً وإنما في الحي مزية المراجعة والتبيين، وليس هذا يوجد في القول الموضوع، فأما إذا كنت على مذهب الميت وكان صاحب الوقت إماماً كان له أن يلزمك مذهبه إلزاماً، وإن كنت ترى خلافه وكان عليك أن تلتزمه وتجري ذلك مجرى الحكم النافذ بالولاية وإن خالف اجتهاد المحكوم، فتفهَّم ما ذكرت لك، فإن كان السؤال امتحاناً فقد بلغ الكتاب أجله قبل هذا الأوان، والأشغال تكثر عن التعداد، وإن كان استرشاداً.
(فنسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سبيل الرشاد)
(والسلام)(1/421)

84 / 170
ع
En
A+
A-