الجواب عن ذلك: أن الأسلحة والكراع إنما جاز أخذ ذلك للاستعانة به على أهل البغي ولكونه عوناً لهم على أهل الحق، وقد وقع الاتفاق على جواز أخذ الكراع والسلاح، ومعلوم أن الحبوب والأموال أبلغ في باب الاستعانة وذلك ظاهر .
وأما ما ذكر من التضمين وهل نأخذه ممن لا حق لنا عليه فاعلم أن التضمين إلى الإمام وواليه، ولا شك أنه لا يجب فيه التحكم، وقد قال علي عليه السلام: لو ثني لي الوساد لقد غيرت أشياء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحالف بعض المشركين ويحارب البعض ويعطي من حالفه من أموال الله عز وجل، وذلك أظهر من أن يخفى ولا يجوز أن يضمن إلا من لزمته الحقوق.
وأما ما ذكره القاضي من قتل الطفل، فنبرأ إلى الله من قتل الطفل وقاتله والحال اليوم لا يحتمل القيام بمعناه، وترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك في قوم من أهل نجد قتلوا فأضرب عن دمائهم، ونحن نروي ذلك بالإسناد وأدان آخرين فدل على نظره وأنه يختلف باختلاف الحال.(1/337)
مسألة [في النكاح]
رجل عقد بنكاح امرأة بشهادة عدل وفاسق، وماتت المرأة ولم يدخل بها الزوج وقد سمى لها الزوج مهراً وعرف ما سمى ولم يشهد عليها شاهدان بالرضا، وطولب الزوج بما سمى لها من المهر، ولم يفسخا النكاح ولا واحد منهما ولا بحكم حاكم؟
الجواب: مسألة النكاح الأصل في العقود الصحة، وإذا لم يفسخا النكاح وتقع المرافعة ثبت من الأحكام ما وافق اجتهاد المجتهد الواحد والجماعة ويستحق الإرث والمهر على مقتضى الشريعة.(1/338)
مسألة [في الأروش والديات والقسامة]
في رجل ادعى على ثلاثة نفر أنهم أصابوه بصوائب في بدنه منها الدامية، والخارصة، والواجمة، ولم يدع على كل واحد منهم من الصوائب شيئاً معلوماً؛ لأنه ذكر أنهم ضربوه ليلاً ولم يعلم جناية كل واحد منهم على انفراده وأنكروا قوله، وطلب تحليفهم فردوا عليه اليمين فحلف والتزموا بالصوائب، وحضروا إلى الحاكم فحكم فيها بأحد عشر مثقالاً أحمر، فضمن أحدهم وتقلد ذلك على الجميع في ذمته وماله ورهنوا بذلك رهوناً، وجعلها الحاكم لثلاثة مناجم، فسلم الضامن أربعة مثاقيل في النجمة الأولى، وطلب المدعي النجمة الثانية وادعى الضامن أنه مخير بين أجناس الدية هل تكون له الخيرة بعد حكم الحاكم بالذهب وهو تاجر من أهل الذهب والفضة في تسليم الشاة والإبل أم لا؟ وإذا وجب فمن أي أجناس الإبل والشاء والبقر؟
الجواب الذي تقرر لدينا وفي معرفتنا أن الدعوى لا بد أن تكون معلومة في الأصل وإلا لم تصح، ولا يقطع على المسألة إجماع، ولا لأحد من العترة عليهم السلام خلاف، فبعد أن يكون بينهم خلاف فيها على ما تقتضي به أصولهم عليهم السلام وضمانة الضمين بما هذه حاله لا تصح تبعاً لما تقدم، وكان رد اليمين فيما هذه حاله غير مستقيم لأنه يتعلق بباب القصاص، فالحكومة من أصلها فيما نرى مضطربة كما ترى، وللجاني الخيار في أي جنس شاء من أنواع الدية ولا خلاف فيه يعلم ولا يتصور لزوم التحليف في مثل هذه الصورة.(1/339)
مسألة
بأنه حكم على أهل بلد كذا وكذا بالذهب والفضة، فيحمل أن ذلك تخفيف عليهم بأن ذلك الجنس عندهم أمكن، فنظر لهم لا للمجني عليه وإلا فلو قال البدوي صاحب الإبل: أدفع الذهب لم يكن لهم إلزامه الإبل وكذلك صاحب الفضة لو قال: أدفع الذهب، أو صاحب الذهب لو قال: أدفع الفضة، أو قال: أدفع الحيوان؛ والأصول ظاهرة الشواهد، وقول الحاكم أدفع الذهب لا يتصور فيه معنى الحكم في هذا الباب، إنما هو فيما يفتي في الواجب المخير، وإن التزم جنساً لاعتقاده أن لا خيار له ثم علم كان عليه اليمين أنه ما علم وقت التزامه أن له الخيار وثبت له الخيار، فإن سلم جنساً من الأجناس لم يكن له الرجوع فيه بعد ملك المجنى عليه .
وأما قول أصحابنا أيدهم الله تعالى: لا خيار له إلا في حال العلم فما الوجه في ذلك؟ وهل الجهل يسقط الخيار أو يسقط الحقوق هذا يبعد أن يتصوره العلماء وإنما على القاضي أن يحكم على السائل بما أوجبه لفظ السائل، فإن جدد لفظ آخر يوجب تغيير الحكم غيره في الحال والمال، كما قال علي عليه السلام لمولى العبد فرق بينهما. قال: طلق يا عدو الله. قال: ملكت أيها العبد فإن شئت فطلق، وإن شئت فأمسك، وأمثال ذلك كثيرة .
وجواب آخر في معنى السؤال الأول: الأصل في الدعوى ما لم يكن على معين أو معينين فهي فاسدة ما خلا القسامة فهي أيضاً على غير معين ولولا ذلك ما صحت هذا هو الأصل.
وسأل أيده الله عن الأرش: إذا جعله القاضي بالذهب أو الفضة هل يجوز العدول إلى سائر أجناس الدية ؟(1/340)
الجواب عن ذلك: أن الدية مبناها على التخفيف، ولولا ذلك لم يستحب أن يجعل على أهل الذهب ذهبا، وأهل الفضة فضة، وأهل الماشية ماشية، فإن اختار من يجب عليه الحق أن يسلم جنساً آخر جاز ذلك ولم يجب عليه غيره لأن صاحب خراسان لو قال: لم جعلتم علي فضة؟ قالوا: للتخفيف عليك. قال: أريد هذا الجنس فهو أخف علي، لم يتهم في علم نفسه، ولا يكون ذلك رجوعاً ولا من القاضي عليه، بل يكون قائماً بما لزمه .
وأما القاضي المقلد فالذي نختاره له أن يحكم برأي إمام زمانه لأن قاعدة الحكم من قِبَلِهِ، وإذا سلم الذهب من وجب عليه الحق لم يكن له الرجوع به، وإنما عليه إتمام ما بقي من أي جنس شاء .
وأما أمثال الدية ففي الشا جذعة الضان، وثنية المعز، وابنة المخاض فما فوقها إلى الجذعة، والخَلِفَة عند من يرى بالتغليظ، وتبيع البقر ومسنته ، وإذا التزم إنسان على جماعة بما لا يصح فيه حكم القسامة كانت الضمانة غير صحيحة فيما أرى لأنها بغير معين بالأمر غير مستقرة.
وإذا ادعى على جماعة ما لا يلزم فيه حكم القسامة كان لا بد من الإقرار والتعيين فيما أرى، ويكون الحكم عليهم التحري والإصلاح، كل إنسان منهم بما يغلب في ظنه أنه وصل منه إلى خصمه، والاستحلال لأنه يلحق بالأداء لتعذر إقراره بالدعوى، وإذا حكم الحاكم بصحة دعوى غير معينة لم يصح الحكم فيما أرى، ويصح الصلح لأن هناك ما يصح الصلح فيه وهي حياة المصالح عنه وهذا فيما أرى والسلام.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
وسلم تسليما كثيراً طيبا.(1/341)