اعلم أيدك الله سبحانه: أن خطاب الله سبحانه وتعالى، وخطاب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكلام الأئمة والعلماء، يحمل على حقائق اللغة وصريحها، وشرحها يطول لأنها تنقسم ولا تحمل على المجاز إلا لضرورة حفظاً للخطاب من الضياع، والإ همال. والثواب في اللغة هو النفع الخالص الذي يقع في مقابلة الفعل فإن لم يتقدمه فعل لم يكن ثواباً، وأصله الرجوع. يقال: ت اب إليه عقله إذا رجع، والتوبة في الأصل رجوع مخصوص؛ وقلنا مخصوص لأنه ليس كل رجوع توبة لأن الراجع في الراجع ب المعصية لا يكون تائباً، وإنما هو الرجوع عن القبيح على شرائط: منها: الندم على ما فات، والعزم على أن لا يعود فما لم يكن كذلك فليس بتوبة ، وقبول التوبة واجب على الله سبحانه لأنه بمنزلة الاعتذار من الذنب، وقد علمنا بعقولنا أنه إذا صح لنا عذر المعتذر قبح منا أن لا نقبله، فكيف بالله سبحانه، وقبول التوبة هو إسقاط الذنب المتقدم باعتذار العبد إلى ربه، وعلمنا أنها أعظم الطاعات بأدلة أ خر لأنا نعلم وجوب القبول وإن لم تخطر الزيادة بالبال، وليس القبول من الثواب في شيء لغة ولا عرفا، لأن قبول التوبة أن لا يأخذه بما تقدم، والثواب هو النفع المستحق على وجه الإجلال والتعظيم؛ فإن كان في التوبة ما ذكر من الثواب فهي لدليل آخر في مقابلة ما زاد على إسقاط العقاب، وهذا عندنا الإسقاط والإحباط .(1/282)
فأما أهل الموازنة فيجوزون أن تصل القيامة من قد ساوت حسناته و سيئاته فيدخل الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ورحمة الله سبحانه كما دخلها الأطفال بغير استحقاق، والكلام في هذا يطول شرحه، وإنما الثواب غير القبول والقبول غير الثواب كما بينا لك أولاً في معناها، فلذلك ذكروه بلفظين.
وأما قوله: هل الحكم من الله سبحانه يسمى ثواباً؟ فقد بينا لك معنى الثواب وحده، إذ الأسماء لا تكون باختيارنا لأنا لو سمينا العقاب ثوابا والثواب عقاباً أخطأنا اللغة والعرف .
واعلم أن الأصل في الأسامي ثلاثة: لغوية، وعرفية، وشرعية. فاللغة الأصل ، والعرف في اللغة طارئ على اللغة، والشرع طارئ على العرف، والعرف في الشرع طارئ على الشرع، وليس لأحد أن يسمي ما لم يكن لاسمه أصل في أحد الثلاثة الوجوه، وتفصيل ما تقدم كبير جداً موضعه أصول الفقه قد أودعنا منه (صفوة الاختيار) مافيه بركة إن شاء الله تعالى.
قال أيده الله: هل منزلة الجزاء والثواب من الله سبحانه فرق؟ قد تقدم معنى الثواب الكفاية، أجزاني بمعنى كفاني، وهذا يجزي أي يكفي، وجازى فلان فلاناً إذا فعل في مقابلة فعله ما يكفي عن مكافأته بخير كان أ و شر ، والثواب لا يكون حقيقة إلا في الخير وقد يكون في الشر مجازاً لا حقيقة؛ لأن الحقيقة ما سبق إلى الأفهام، وإذا قيل أثاب فلان فلاناً، سبق معنى الخير دون الشر، وإذا قيل جازى فلان فلاناً، تردد الفهم بين المجازاة من الخير والشر، فيقال بماذا جازاه، وقال تعالى: ?وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ?[سبأ:17] فجعل العقاب جزاءً. فتفهم ذلك موفقاً .(1/283)
[البديهة]
قال تولاه الله بتوفيقه وأيضاً في قولهم إنما يعرف بالبديهة هو مثل أن العشرة أكثر من الخمسة، وقد يوجد في العقلاء من لا يفرق إذا قيل له التسعة أكثر أو السبعة، قال وإنما هذا عدد وحساب، كما أن كثيره لا يعرف إلا بالتعليم، كالمترب، فكذلك قليله، قال: ويقال الذي يعرف بالبديهة كالحال من العارف .
الجواب عن ذلك: اعلم أنهم وضعوا هذا اللفظ موضع التمثيل، وغرهم فيه أن من عرف اصطلاح العرب في أن العشرة ضعف الخمسة فإنه يعلم أ نها أكثر منها لأنها مثلها مرتين، ولا يختلف العقلاء في ذلك، ولم يقصروا من لم يعرف المواضعة كالعجم فإنهم يعرفون المعنى دون اللفظ لأنهم يعلمون أن الاثنين ضعف الواحد وأكثر منه وإن لم يعرفوا العشرة ولا الخمسة. قالوا: ما ندري أنها أكثر والمراد بذلك أنه لو جعلت العشرة ناحية والخمسة ناحية علم كل عاقل أنها أكثر، ولو كانت عطية وأجزاؤها غير متساوية أخذ الأكثر، فافهم المراد موفقا ومرادهم بالبديهة أن من سأل وهو يعرف المواضعة لم يفتقر إلى تجديد نظر في أن العشرة أكثر كما في غيره، وهذا ثابت في أصل اللغة بديهة الأمر إذا ما جاء بغير طلب ف كان معرفة هذا الأمر يلقاه بغير نظر فاعلم ذلك موفقاً.(1/284)
[النظر والمعرفة]
قال أيده الله: لم يقال النظر أول الواجبات، ولم يجب إلا لوجوب المعرفة لما كانت لطفاً؛ وهل يجوز أن يقال: المعرفة أصل في الثبوت وفرع في الاستدلال، والنظر أصل في الاستدلال وفرع في الثبوت؟ .
الجواب عن ذلك: أن هذا قول المحقق من المتكلمين، ولا مانع منه لأن الدليل قد قام به وقد قال تعالى: ?إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...? الآية [المائدة:6] فعلل وجوب الوضوء بالقيام للصلاة فكان الوضوء أول ما يجب على من أراد الصلاة، ولا أوجب سبحانه علينا المعرفة. قال: ?أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ...? الآيات [الغاشية:17] وهو لا يريد بذلك إلا وصولنا إلى معرفته تعالى، إذ لو حصلت لنا بغير نظر لم يجب النظر، كما ن قول في أهل الآخرة إن النظر لا يجب عليهم لعلمهم بالله تعالى ضرورة وبذلك سقط التكليف، ولا مانع أن يكون الأصل في الثبوت فرع في الاستدلال، وأمثلته كثيرة والشرح فيه طويل منعت منه الأشغال ألا ترى أن الأصل في رد الوديعة الاست ي داع والقبول، ثم إذا طالب بها المودع وجبت أمور أخر لم تكن واجبة في القيام، وفتح الباب وإخراج المال حتى لو لم يقم بذلك، وقال لا يجب على الآخر ذمه العقلاء، وهم لا يذمون على الإخلال إلا وهو عندهم واجب فاعلم ذلك موفقاً.
و الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
وصلى الله على نبيه المصطفى وآله النجباء
وسلامه عليهم وآله
تم ذلك بحمد الله ومنّه(1/285)
مسائل أخر من القاضي محمد بن أسعد اليمني
بسم الله الرحمن الرحيم
الأولى
قال تولى الله توفيقه : فيمن يقول لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق بفتح الهمزة؛ هل يطلق على كل حال؟ أم حال دون حال؟
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: أنها تطلق وقت الدخول لأنه وقت الطلاق به دون غيره من الأوقات ، وذلك معلول وليس بشرط فيه فيقف عليه.(1/286)