[حول القرآن]
وعاد جوابه يطلب زيادة فأجابه عليه السلام قال: وقفنا على كتاب الشريف الأجل نور الدين أدام الله تأييده، وفهمنا ما ذكر من وصول المسائل، وأن بعضها يفتقر إلى المراجعة، من ذلك في القرآن الكريم.
قال أيده الله: القول ببقائه يخرجه عن جنس الكلام، والقول بانتفائه يخرجه عن جنس العرض.
قال أيده الله : فإن قيل بذلك جهة العرف والشرع هذا قول منافاتهما للعقل.
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: أنه قد تقرر في عقول المكلفين في الابتداء أن كل كلام إنشاء منشئ، ثم حكاه بعد حاك، فهو كلام الأول عندهم، ولو ادعاه الحاكي لبادر العقلاء إلى تكذيبه من غير توقف في أمره ومع ذلك المعلوم من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة ودين المسلمين بعده من الأئمة والأمة أن هذا القرآن الكريم الذي بين حجة لنا وعلينا كلام الله ووحيه وتنزيله، وأنه باق على بقاء التكليف لا يجوز عدمه، وهذه كلها قضايا عقول العقلاء، وقد تقرر أن قضايا العقول ومعلوماتها لا يجوز تنافيها ولا تعارضها؛ ولأن مدلول الأدلة واحدة ولا يجوز أن يدل الدليل الموصول به إلى العلم على أمر ونقيضه، فإذا قد تقررت هذه الجملة كفت في باب الجملة ومن المعلومات ما يجوز أن لا يمكن الوصول إلى العلم بتفصيله، كمشكلات الاعتماد وما جانس ذلك مما استأثر الله سبحانه بعلمه.(1/272)


ونقول بعد ذلك: إن القرآن الكريم كلام العزيز العليم، وهو معنى معلوم يعبر عنه المسلمون ويحكيه حفظته من المجرمين فكلامهم الذي هو الأصوات، لا يجوز إلغاؤها كما ذكر أيده الله، والمعنى المعلوم المرتب ترتيبا مخصوصا هو الباقي بشرط بقاء محله إن كان ذكرا فبشرط بقاء الحياة والمحل، وإن كان مكتوباً فبشرط بقاء الكتاب، وأما انتقاله فإنما ينتقل بانتقال محله وإن لم يطلق عليه الانتقال على عرف المتكلمين في معنى التفريع والشغل، وهو في حكمه إن كان كلاما فبانتقال الهواء، وإن كان كتابة فبانتقال دفترها أو لوحها، وفي هذا تفسير ما لم يصرح به أصحابنا، ولو بحثوا لعثروا عليه، ولا فرق بين قولنا معنى ومعاني ونقول ذلك المعنى والمعاني هو الترتيب المخصوص في الجنس المخصوص، فهذا ما اتفق على كثرة الاشتغال وتشتيت الخواطر، ومن الله سبحانه نستمد التوفيق.(1/273)


[العاصي من أهل البيت]
ومن ذلك في العاصي من أهل البيت عليهم السلام. هل يدخل في تفضيلهم فيجب تعظيمه وتشريفه، مع البراءة منه والاستخفاف به اللذين يلزمان في الفاسق جميعاً .
قال أيده الله : وهذا يتنافى، أم الفضل لا يوجب تعظيمهم وتشريفهم فما هو ؟ أم لا يكون إلا لمن أطاع وعمل لزم قول المطرفية ولا سيما وعقاب الشريف أعظم من غيره فيلزم في الذم والاستخفاف كذلك.
الجواب عن ذلك: أن الفضل على وجهين: فضل ابتداء، وفضل جزاء؛ ففضل الابتداء يختص بتشريف الجنسية والجوهرية وتعظيمه تعظيم الجنسية كما يقال: إنا نعظم الذهب والياقوت على أجناس الجواهر، ونعلم من قصدهم تفضيل ذلك، وأجلى الأمور ما يعلم من النفوس، فإذا كان عاصياً أجللناه لنسبته، وأبعدناه لفعله أو مذهبه، وإذا تباين الوجهان لم يقع تناف ولا تناقض، ألا ترى أن رجلاً إذا أحسن إلينا ثم أساء إلى غيرنا أليس قد استحق التعظيم منا والذم من غيرنا ولم يكن تناف لما اختلفت الوجوه، ونحن ندعي في فضل أهل البيت الضرورة لأن منكره يعلم في نفسه أن لهم بالقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مزية على غيرهم، ولذلك تستعظم القبائح منهم لمكانهم، ويشنع عليهم منكر فضلهم ولكنهم في إنكار فضلهم كما حكى الله سبحانه عن آل فرعون: ?وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ?[النمل:14] فأخبر بإنكارهم ظاهرا، لما علموه باطنا، وإذا عظمناهم لوجه واستخففنا بهم بوجه آخر لم يقع تنافٍ ويتضاعف عقابه إلا لفضله، وكذلك ثوابه لا يتضاعف أيضاً إلا لفضله؛ لأن الأماكن والأزمنة والمناصب لها تأثير في زيادة(1/274)


الثواب، كما نعلمه في المساجد والحرم شرفه الله تعالى، وشهر رمضان، والجمعة، ورجب، وأيام مخصوصة؛ وإجماع أهل البيت عليهم السلام منعقد على مضاعفة ثواب مطيعهم، وعقاب عاصيهم فتفهم ذلك موفقاً .(1/275)


[حول حديث من أبغض أهل البيت]
قال أيده الله: ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أبغض أهل البيت عليهم السلام فهو لغير رشده)) هل كون الولد مخلوقاً على وجه دون وجه يؤثر في حصول المعصية أو انتفائها فلا جرم حينئذ في تلك المعصية لأنه لولا خلق الله تعالى له على ذلك الوجه ما اختار المعصية، ولو خلقه على وجه آخر لما اختارها، وكان يكون ذلك إزاحة للعلة .
قال أيده الله: وإن كانت المعصية منه لأجل القبيح الواقع من مائهما وهو المؤثر في وقوع المعصية منه أيضاً، وكان يجب أيضاً أن يكون معذوراً وإن كان لا تأثير لخلقه على الوجه ولا لفعل القبيح فما فائدة الخبر ؟.
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: أن الحديث إخبار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يختص ببغض أهل البيت الشريف سلام الله عليهم، وخبره عن خبر الله سبحانه، ولا يمتنع أن يختص أهل المنابت الردية بالأفعال الردية سواءً اختيارهم، ولا يمتنع أن يندر منهم من يخالف طريقتهم، ولكن لا حكم للنادر والإطلاقات على الأغلب، والأغلب بمن يكون لغير رشده بغضه أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا إخبار عن المعلوم في الأعم، فسقطت الأسئلة؛ لأنها أثبتت على أن المؤثر الخلق على وجه دون وجه فاعلم ذلك.(1/276)

55 / 170
ع
En
A+
A-