[السخري]
وعاشرها: سأل أيده الله عن قوله سبحانه : ?لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا?[الزخرف:32] وعن الغرض وما السخري؟
الجواب عن ذلك: أن السخري هو: التذليل. سخره إذا ذلّله، ولما كان من استهزأ بغيره فكأنه استذله قبل تسخيره فما تصرف من هذه اللفظة فهو يرجع إلى هذا المعنى؛ وذلك أن الحكيم سبحانه أراد ظهور الحاجة في الخلق ليقع الاعتراف بالعبودية؛ لأن المحتاج لا يكون إلهاً، فالمعنى قد اتخذ الفقير سخريا لحاجته إليه، والفقير سخرياً للغني مثل ذلك، والبعض يحتاج إلى البعض، الأعلى إلى الأسفل، والأسفل إلى الأعلى، فإذا الذي تحق عبادته هو الغني لذاته عن كل ذات، كامل النعوت والصفات سبحانه وتعالى.(1/262)
[النسب والسبب]
والحادية عشر: سأل أيده الله: عن الخبر عن أم زيد رحمها الله في اختيارها لأبيه عليه السلام دون الأولاد لأجل النسب وهم فيه سواء .
الجواب عن ذلك: أنها إنما أرادت لمجموع الأمرين، ونسب علي عليه السلام كان أحب إليها من نسب أولاده لما كان قد ظهر من صلاحه عليه السلام، والحديث في كل سبب ونسب، وفي حديث آخر زيادة وهو: ((كل سبب ونسب وصهر منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي – وفي الزيادة –وصهري)) ومن ذلك علي بن الحسين عليه السلام أقعد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، معنى القعود: أن يكون أقرب بأب أو أبوين إلى الجد الأول، وهذا مما يناقش فيه العارفون من أهل هذا البيت، قال أحدهم: والله لو أعطيت بقعودي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا بما فيها ما قبلت. يريد بقربي إليه بجد أو جدين؛ ولكم يا أولاد المطهر في هذا الباب النصيب الأوفر، لأنكم اليوم أقربنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنما أنساكم وسواكم هذا الحال مذهب أهل الضلال، الذين نفوا الشرف بالفضل، وأنكروا حرمة قرابة الأهل، فنعوذ بالله من حالهم ونسأله أن يعجل عليهم نزول حكم أفعالهم، ونصلي على النبي وآله فليس نسب علي بن الحسين عليه السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل نسب أولاده لأن القرب كلما التصق كان أفضل، ولكل فضل، وبعضه فوق بعض فاعلم ذلك موفقاً.(1/263)
[الهادي وأسر ولده المرتضى]
والثاني عشرة: سأل أيده الله: عما روينا في الشرح من تأخر الهادي عليه السلام عن ولده المرتضى لدين الله عليه السلام يوم أسره، وعن أصحابه رضي الله عنهم وذكر أيده الله أن للهادي عليه السلام في ذلك شعراً موجوداً في كتاب سيرته ينكر ذلك معناه أنه لو حضرهم لدافع حتى يموت. فكيف ذلك؟
الجواب عن ذلك: إن الخبر الذي رويناه صحيح ولا إشكال فيه ولا روي عن شك؛ لأن أسر المرتضى عليه السلام كان في (أتوه) والهادي عليه السلام لم يتخلف من نهوضه من ورور إلى مدر فأقام فيه أياماً، ثم أتى علم بخروج القوم وكثرة من جمعوا من أحزاب الضلال فنهض إلى (أتوه) لكونها أحصن، فما راعه إلا وصول القوم لعنهم الله في جنود لا يحصى عديدها، ولا ينادى وليدها، فأيدهم إبراهيم بن خلف، فنشبت الحرب من الفريقين، وكان دعام بن إبراهيم الأرحبي في خيل عظيمة، فأمر إليه الهادي عليه السلام سأله المعونة ببعض خيله فكره، ودل العدو رجل من أهل خيوان لعنه الله على مكان طلعت منه جنودهم حتى صاروا من خلف الهادي عليه السلام، فلما رأى ذلك ثنى رحله للنزول، فقال الطبريون رحمهم الله: ما تريد؟ قال: أقاتل معكم حتى نموت جميعاً. قالوا: هذا أمر طلبناه فوجدناه، ولك بنا من المسلمين عوض، وليس للإسلام عنك عوض، وقال له المرتضى عليه السلام: أيها الإنسان إنك اليوم إن قتلت انهد ركن الإسلام، وإن قتلنا فإن الله يعيضك بنا مثلنا أو من هو خير منا. فقال عليه السلام: أفارقكم والله فراق غير صاخ بفراقكم؛ وتأخر نظراً للإسلام وتحرياً لمصلحة الدين، لا جبناً ولا فشلاً، والقوم(1/264)
يطعنونه برماحهم وينحيها بسوطه لأن رمحه كان قد فات، وكان عمر الرمح في يده صلوات الله عليه قصير، فقال له بعض أصحابه: يا سيدي سل سيفك. فقال: ما كنت لأسله إلا أن أضرب به، وفرقت الهزيمة الناس، وكان المرتضى عليه السلام في خيل فوثب فهوى، فقصر مهره لضعف كان فيه، فصعق به المكان وصاحبه كانت فيه غشى منها، وأسر معه محمد بن سعيد رحمه الله في جماعة وشعر الهادي عليه السلام على أنه لم يعلم به ولو كان في جهته فكذلك كانت الحال، ولو كان في جهته لم يسلمه، وكان يفعل ما قال؛ لأنه لا يتهم في قوله عليه السلام فعذره عليه السلام حق، فأما أنه أسر في يوم آخر فهذا ما لم يقل به أحد من أهل المعرفة، وإنما عند الجهال الشيعة الذين عزلوا نفوسهم عن مراس الحرب، وتفرغوا للطعن على أئمة الهدى، إن الإمام لا ينهزم ولا يتأخر عن مقامه ولا يجوز له ذلك، وهم لا يعرفون الآثار، ولا باشروا الحال، فتعلموا أحكام المحال، وتصرف النزال في انحياز النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى شعب أحمد:
فلولا صعود الشعب عاود أحمد .... ولكن نجى والسمهري شروع(1/265)
وعلي عليه السلام يوم طغيان جنود أهل الشام في بعض أيام صفين انحاز إلى رباب ربيعة وأرجف الناس أنه عليه السلام قتل إلى أن علموا بمكانه، فجاءه الرؤساء يهنئونه ويهنئون ربيعة بانحيازه إليهم ثقة بهم -ولو شرحنا ما يتعلق بهذا الباب لطال- والقوم فتح لهم الباب وقيل: ادخلوا فجعلوا يطلبون من أي مكان يتسورون ليروا أن هناك طريقاً أخرى، وما سوى الباب طريق لمن يريد الصواب، وإقامته عليه السلام في (ورور) سنة وزيادة، والقوم يكاتبونه على تخليص ولده، ويرجع إلى (صعدة) فكره، وطمع بالنصر من قبائل همدان فلم ينصروه، فراح إلى (صعدة) وولده عليه السلام في صنعاء، ثم نقل إلى بيت يونس ببيت اليافعي على يدي ابني يعفر، ثم نقل إلى شبام، ثم أطلق منها، وليس الغرض الاقتصاص وإنما أردنا زيادة بيان وقاد بعض الحديث بعضا، والسيرة عندنا مضبوطة ولعلها النسخة الثانية من الأولى، أو الثالثة بالرواية الصحيحة، وإقرار آبائنا رضي الله عنهم بها، فنعوذ بالله من الشك بعد اليقين، ونسأله سلوك سبيل المتقين .(1/266)