وقد ورد النصّ بأنها لطف في الامتناع عن الفحشاء والمنكر، فتأديتها لطف، والعزم عليها لطف، والمكلّف لا يتعرى من الوجهين في حال من الأحوال، فاللطف لا يفارقه في الأحوال كلها.
وأما ما ذكره على قول أبي الحسين: كيف يجب اللطف لتأدية ما ليس بواجب، وهو النفل فذلك مستقيم (أعني قول أبي الحسين)؛ لأن اللطف قد يجب على من أراد من الغير فعل ما ليس بواجب، كما يعلم فيمن يقرب الطعام لأضيافه فإنه يلزمه تقريبه لآكله بما يعلم أو يغلب في ظنّه أنهم يكونون أقرب إلى الأكل إن كان ذلك مراده، ويجب ذلك عليه عند العقلاء، وذلك في الحكم ألزم؛ لأنه بعباده أرأف وأرحم وأجل وأكرم، ويجب عليه اللطف في المندوب لمكان الأوامر وإلا كانت إرادته قبيحة وندبه إلى المندوب عبثاً وذلك لا يجوز، والمكلّف يؤدي الواجب الموسّع جميع أوقات التوسيع بنية الوجوب؛ لكون الوقت الواسع مضروباً له يفعله في أي أبعاضه شاء، فمتى شرع في الفعل لزمه تأديته في تلك الحال، وقد يكون الفعل غير واجب ثم يصير بالشروع فيه أو النية واجباً، كما نقول في حجّ النفل وغيره من المشروعات، فكيف نستبعد ذلك في الواجب الموسّع، ولا شكَّ أن هذه المسألة وردت على الأكثر من الأشغال فلم نتمكَّن من التوسيع، وفيما ذكرنا كفاية لمن تأمله إن شاء الله تعالى وقد تركنا أشياء؛ لأنها بنيت على أشياء بينَّا أنها غير لازمة ولا مقصودة في الأصل، فاكتفينا بذلك عن الجواب عنها.(1/837)
مسألة
وجدت بخطه عليه السلام في كتب الفقيه الأجل المكين أحمد بن محمد المحلي رحمه الله تعالى.
وقفنا على سؤال الفقيه المكين أيده الله تعالى وما ذكر ممَّا تقرر عليه مذهب القاسم، ويحيى، وأكثر الأئمة عليهم السلام عن المنع عن الإمامة في صلاة النوافل، وسأل عن المانع من ذلك مع أمر علي عليه السلام بمثله في التراويح، وما ذكر من الأمر، وأن الفعل لا يتعدّى، والأمر يتعدى.
الجواب عن ذلك وبالله التوفيق: إنَّ الصَّلاة أمر شرعي، أحكامها، وأفعالها، وطرقها، وشروطها، وهيآتها، وأقوالها فلا تؤخذ إلا من الشرع الشريف، وقد تقرر من الأصول الشرعية والأدلة الشرعية أن المصلي يكون تابعاً لإمامه في جميع أحكام فعله، حتى لا يختلف حالهما في أمر من الأمور، وأعظم المخالفة أن يصلي الفرض في حالٍ إمامه فيه مصلٍ لنفل، والأصل في الائتمام السنة النبوية زاده الله تعالى جلالاً ولم تجرِ عادة المسلمين بالإمامة في شيء من النوافل إلا ما خصَّه الدليل، وطرد القياس على ما انعقد الإجماع بجواز الإمامة فيه من النوافل لا يصحّ؛ لأنه كمن يجيز بيع ما ليس عندك قياساً على بيع السلم، ومثل ذلك لا يصحّ كما في نظائره.(1/838)
فأما (في) صلاة المتنفل خلف صاحب الفرض فإنما ذلك خصَّه الدليل وإلا فلم يكن الحكم يوجبه؛ لأن مباينة الفرض للنفل أبعد من مباينة الفرض للفرض، وقد تقرَّر أن صاحب فرض لا يؤم صاحب فرض آخر، فكيف بصاحب النفل يأتم بصاحب الفرض!!، فلما خصَّه الدليل أقرّ مكانه، والأصل في الشرعيات أن أكثر أدلتها أمارات تؤدي إلى غالب الظن، فإذا اتفق جمهور العترة عليهم السلام على قول كانت غلبة الظنِّ بصحته أقوى فلا يعدل عنه، فإن أجمعوا كانت حجة لا يجوز خلافها.
فأما صلاة التراويح فلا شك أن أهل البيت عليهم السلام لا يرون بها وما هي (عندهم) إلا بمنزلة النوافل، فإن أشار فيها علي عليه السلام برأي فهي مصلحة للمسلمين كما كان يشير في الأمور التي أخطؤوا في أصولها، فأشار عليهم بما يكون أحمد عاقبة في فروعها، وإلا فهو عليه السلام لم يكن تعبدها ولا الصالح من أهل بيته، والمأثور عنه وعنهم صلاة الخمسين ولم يذكر فيها الإمامة، ولما فعلوا باجتهادهم بصرّهم طريقة تصلحه لا أنه عليه السلام يعتمده.(1/839)
فأما من أوجب على نفسه شيئاً من النوافل فهو لا يطلق عليه الفرض ولا الواجب؛ لأن ذلك يختصُّ بما يكون من قبل الله سبحانه أو في حكمه؛ لأن ما يوجبه الإنسان على نفسه وإذا ائتم به غيره كان مخالفاً له في نيته، وإن أوجب مثل ذلك على نفسه فلم يرد الشرع بمثله، وليس لنا أن نستحدث أنواع العبادات ولا صورها؛ لأنها غيوب ومصالح، فلا يؤمن مواقعة المفسدة والقبائح، كمن يلزم نفسه عبادة يخترعها عشرين ركعة متصلة يسلم في آخرها مثلاً عشر تسليمات، فهي وإن كانت جنس العبادة فلم يأتِ بها أثر، فكذلك صلاة النوافل، الإمامة فيها لا تجوز إلا حيث ورد به الأثر.
وقد أجبنا على ضيق الوقت بما تيسَّر، وجعلنا الجواب واحداً، فاعلم ذلك، والسلام.
[تم الكتاب بمن الله العزيز الوهاب، فله الحمد حمداً لا يحصى عدده، ولا ينقضي أمده، والله أسأل العفو والعافية وغفران الذنوب بمنه وكرمه.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين
وافق الفراغ من زبر هذه الأسئلة والأجوبة لمنشئها صلوات الله عليه بعد الظهر نهار الثلاثاء لعله 27 شهر شوال من شهور سنة 1343ه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].(1/840)
وصية للإمام عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه الوصية آخر وصية كتبها مولانا المنصور بالله أمير المؤمنين عبد الله بن حمزة سلام الله عليه وكانت وفاته عقبها قدس الله [سره] في حصن كوكبان في شهر المحرم سنة أربعة عشر وستمائة، فقال عليه السلام: إن الكتب الكل منها وقف على القائلين بالعدل والتوحيد، وولايتها إلى الصّالح من الأولاد، فإن لم يكن فإلى الصالح من المسلمين تجرد مائة حبلة من غيل شوابة لإصلاحها ونساخة ما يحتاج إلى نساخته وقصاصة ما يحتاج إلى قصاصته، ولا يعار منها شيء إلا برهن يوفي على قيمته أو يساوي، وأن جميع الأملاك موقوفة بين الورثة على سهام الله سبحانه، وأن ما اتصل إلى المسلمين منها إنه في حل وسعة القائل بالعدل والتوحيد من أهل البيت وأشياعهم، ولا حرج عليهم في تناول شيء منها بإذن أو بغير إذن، وإن سبيل الأموال الراجعة إلى بيت المال من العين وغيره، إن كان به إمام فأمره مصروف إليه، وإن له التحكم في الأموال التي هي لنا في غللها وثمارها، وله أن يتناول لنفسه ولأوليائه وأسبابه منها، وإن لم يكن إمام فسبيل هذه الأموال الراجعة إلى بيت المال الحفظ لمحاربة الأعادي الأعاجم، وإن قطع الله دابرهم ونفاهم عن البلاد، فسبيل هذه الأموال أن تنفق على مدارس العدل والتوحيد، ويخرج من خاص مالي ألف دينار في مصرف الزكاة، ويخرج ألف دينار يتصدق بها على فقراء أهل البيت عليهم السلام وتتفقد من الوصايا المتقدمة ما لا منافاة بينه وبين هذا، ومن كان من الصغار لم يكن له سلاح من رأس المال كان له سلاح، وعلى إخوتهم تعليمهم وتهذيبهم والتفقد(1/841)