الجواب: إن الصبي عمده خطأ، فالموضحة فما فوقها تلزم عاقلته، وإن لم تكن له عاقلة فالمسلمون؛ لأنها تتعلق بالناصر، ولا ناصر للمسلم إلا المسلمون، وما كان دون ذلك كان في ماله عند الجناية إن كان له مال، وعند وجدان ذلك إن طولب فيما بعد، وتغلب العاقلة لا يلزمه المال في خاصة نفسه، والجناية في المال تلزمه في خاصة ماله، وعندنا أنه لا فرق بين أن يكون غنياً أو فقيراً حال الجناية؛ لأنه يعتبر بلزوم الحقِّ، ولا يشترط فيه الغنى والفقر كالذي يتديّن مال الغير، وإنما يجب الأداء بشرط وجود المال.
وسألت: عن شهود النكاح إذا كانوا غير عدول، هل يلحق النسب أم لا؟ وما يصحُّ من أحكام الزوجية؟
الجواب: إنَّ النكاح لا يخلو إما أن يكون في دار فيها العدول المعتبرون في الشرع عندنا أم لا، فإن كان في دار فيها العدول المعتبرون عندنا فالنكاح يكون فاسداً، وحكمه حكم الصحيح إلا في أشياء مخصوصة: أن لا يحصّنا به، ولا لعان بينهما، ولا يلزم المهر بالخلوة، ولا نصف المسمَّى بالطلاق قبل الدخول، ولها الأقل من المسمَّى أو مهر المثل بعده، ولا يقع عليها عدة مع الخلوة بدون وطئ، ولا يلزمها إحداد، ولها الخروج في حياته بغير إذن، ولا يجب عليها لزوم بيته بعد وفاته، ولا ميراث لها، فأما النسب فيلحق على كل حال.(1/832)


فأما إن كان في دار لا يوجد فيها العدول المعتبرون في الشريعة فعندنا أن أهلها جنس قائم بنفسه كما نقول في أهل الملل، فحكمه -والحال هذه - حكم الصحيح عندنا سواءً سواء، ولهذا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجم اليهوديين الزانيين، ونكاحهما إنما كان بشهادة اليهود، وعقدهم، وليسوا بعدول في شرعنا، فاعلم ذلك موفقاً.
وإنما وقع الجواب من غير تمكّن لما نشاهد من الأشغال، ومن الله تعالى نستمد التوفيق والعون، والسلام.
بخط أفقر عبيد الله وأحوجهم إلى عفوه وكرمه عبد الله بن داود الحيمي عفا الله عنه.
نقلت من نسخة مقابلة بالقراءة على الشيخ محيي الدين.(1/833)


مسألة سأل عنها عمران بن الحسن بن ناصر، فقال:
قولكم: إن الأمر المؤقت بأول وآخر بفعل يتسع له الوقت ولأمثاله أن الوجوب فيه متعلق بجميعه: أوله، ووسطه، وآخره، مثل: الصلاة، وتقديم الزكاة في أول الحول والحولين على المذهب هو قول فاسد؛ لأنه يؤدي (إلى) فساد، وبيان ذلك أن قوله تعالى: ?أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ?[الإسراء:78]، إذا كان عندكم مخير بين فعلها فيما بين هذين الوقتين.
قيل لكم: هل ينوي الوجوب قطعاً في أوله كما ينويه في آخره أم لا؟
فإن قلتم: فهو خلاف المذهب، وقوله تعالى: ?أَقِمِ الصَّلاَةَ? يقتضي وجوبها من أول وقت الزوال إلى آخره، فما وجب في النية في آخره كانت في أوله.
وإن قلتم: ينوي الوجوب.
قيل لكم: وما وجه الوجوب؟
فإن قلتم: لكونها لطفاً ومصلحة في واجب آخر سواها شرعي أو عقلي بعدها.
قيل لكم: واجب عقيب أدائها في أول الوقت أو بعد خروج الوقت؟
فإن قلتم: في واجب يقع عقيبها.
قيل لكم: فهذا يلزم فعلها في أول الوقت لا محالة لئلا تفوته تلك المصلحة، وإذا كان كذلك لم يلزمه فعلها فيما بعد ولا يحسن أيضاً، وفي علمنا بوجوب فعلها إلى آخر الوقت دليل على بطلان هذا القول.
وإن قلتم: إنها لطف في تحصيل واجب بعد خروج (الوقت).
قيل لكم: فما قولكم فيمن مات قبل خروج الوقت فيما يكون أداؤها لطف، وقبح تكليفه أداها.(1/834)


وإن قلتم: ينوي بها أداء الواجب إن بلغ الوقت مشروطاً هكذا وإلا فهي نفل، فليس هذان القولان من مذهبكم وإن كان أقرب إلى الأصول على ما قد وضح، ويحمل عليه قول الله تعالى: ?أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ?[الإسراء:78]، فالنية مشروطة، ولكنّه يرد عليه سؤال، وهو أنه قد ثبت بالإجماع أن تعجيل الصلاة أفضل وأولى، ومعنى ذلك أن موقعها في اللطف أعظم، وتقريبها أو تسهيلها لما هي لطف أجل، فلذلك استحقّ به الثواب أكثر، ولو كانت تقع نفلاً في أول الوقت لما جاز كون النفل أعظم موقعاً في اللطف في الواجب من الواجب وذلك محال؛ لأن التخيير قد ورد بإجزائها في أول الوقت وآخره وهو لا يرد بين واجب لا يجوز الإخلال به، وبين مندوب يجوز الإخلال به، وبعد فليس في أداء الصلاة في أول الوقت حقيقة الواجب؛ لأنَّ الواجب هو ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم وكذلك الزكاة وصدقة الفطر، وكان الشيخ أبو الحسين يقول: إن تكليفها لطف في طاعة مندوب إليها، كما جاز تكليف المندوبات الشرعية إذا كانت مقربة من الطاعات المندوب إليها، وهذا غير واضح؛ لأن فيه إيجاب الواجب لتحصيل المنفعة وليس هو من مذهبه، فإن الملطوف فيه يجوز أن لا يكلفه رأساً، فكيف اللطف المقرب إليه!!.(1/835)


قال: ولم أعقل في تكليفها في أول الوقت إلا أنها إما أن تكون يراعى بها، فإن بلغ المكلف آخر الوقت وهو على صفة المكلفين كان ما أتى به واجباً أو مسقطاً للواجب، وإن انصرم أو زال قبل إدراك عقله فهي نفل، أو يقال: إنها لطف، كل جزء منها لطف فيما يليه من أجزائها، وهو قوي من جهة النظر، إذ فيه تكاليف عقلية يجب إخطارها بالبال عند الإتيان بالصلاة، غير أن الإجماع قد منع من ذلك والآية الشريفة: ?إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ?[العنكبوت:45]، فأخبر أنها لطف في الإخلال بها؟
والجواب عماّ سأل عنه: إنّ هذه المسألة على تنوِّع الوجوه التي ذكرت مستقيمة على قولنا، بحيث لا سبيل إلى دخول خلل في معانيها مما ذكره من الاعتراض؛ لأن اعتراضه لا يصحُّ إلا بقصر حقيقة أو تسليم خصم وكل ذلك غير مستقيم، فذكر الواجب المخيّر، ومثَّل ذلك بالصلاة في أول الوقت ووسطه وآخره، وقال: هل ينوي المكلف الوجوب قطعاً أم لا؟ فألزم على ذلك ما لم يقل، وحقيقة الواجب عندنا: هو ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم على بعض الوجوه، واحترزنا بقولنا: على بعض الوجوه، من واجب الكفاية، والواجب المخيَّر.
وقوله: هل يعتقد الوجوب في أول الوقت قطعاً؟
فجوابنا: نعم، وهو قبل الدخول فيه غير مضيق عليه في تأديته، فإذا شرع فيه فقد ضيَّق على نفسه الموسّع كان له القطع ونية تأدية الواجب.
والصلاة لطف لوجهين:
أحدهما: تأديتها بعد تأديتها.
والثاني: العزم على تأديتها متى خطرت بالبال، فلا يلزم على ذلك ما بنى عليه.(1/836)

167 / 170
ع
En
A+
A-