الجواب عن ذلك: إن الأمر في هذا المال إلى الإمام وهو متعبّد بنظره في ذلك، وقد يجوز أن ينظر ما لا ينظر غيره، فليس لغيره أن يعترض عليه بما يخطر بباله ويحصر الوجوه على ما يظهر له.
وأما من يكره الشر على المخالفين فذلك معصية؛ لأنهم يستحقون الإهانة والسبِّ والبرأة واللعن، وسواء فعلنا ذلك أو لم نفعله فهذا حكم.
وأما تركه لذلك ذلة، فنحن نروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ((المؤمن لا يكون بخيلاً ولا جباناً))، ولا يجتمع الجبن والبخل في قلب مؤمن، فإذا كان غنياً لم يجز له أخذ المال إلا بعد تعريف الإمام، فإن أمره وأعطاه جاز ذلك؛ لأنه قد يعلم ما لا يعلمه غيره.
وسألت هل يجوز لمن يتخلّف عن الجهاد مع التمكُّن بشيء من الحقوق، ويجعل عذره أن الإمام قد فسح له، أو يتعذر بخوف الظلمة أو بضياع المال والعيال أو بالتعليم؟ وهل يكون له سلامة، أم كيف (يكون) حكمه؟(1/827)


والجواب عن ذلك: إن الجهاد فريضة من فرائض الله تعالى العظام، ونحن نروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أنه قال): ((الجهاد سنام الدين))، وسنام الجزور أفضلها بالاتفاق، وفي ذلك اتفاق أهل الفقه أن رجلاً لو أوصى بشيء من ماله لأفضل وجوه البر لصرف إلى الجهاد، ونحن نروي عن أبينا (عن) علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: (فيكون في آخر الزمان قوم متفريؤون، متنسكون، متفقهون، لا يوجبون أمراً بمعروف، ولا نهياً عن منكر، إلا إذا درَّت لهم معايشهم، وسلموا في أمر دنياهم، فلو أن الصلاة والصوم أضرَّا بشيء من دنياهم لرفضوهما، وقد رفضوا من الفرائض أسنمها وأشرفها الجهاد في سبيل الله، فريضة تقام بها الفرائض، وتحيا بها السنن، وتعمر بها الأرض، وينتصف بها من الأعداء)، ولا حق في هذا المال إلا لمن جاهد أو كان بجهده وطاقته مع المجاهدين.
وأما الفسح والإذن فلا يكون إلا في حكم واحد ووجه واحد؛ لأن لكل حركة للجهاد فرضاً محدوداً فلا بد من إذن جديد، وإن استأذن الإمام وأذن له وكان لا عذر له عند الله تعالى فذلك لا يجزيه ولا يخلصه عن عهدة ما لزمه.(1/828)


وأمَّا العذر لخوف الظلمة فبعيد من الصواب جداً، وأي جهاد لا يخاف صاحبه ولا يخيف!!، وإذا كان الله تعالى قد ?اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ?[التوبة:11]، والقرآن آكد حكمه في كبار الكتب المنزلة الشريفة، فهل يستحقّ المبيع من لا يسلّم الثمن!! أو ليس الغريم إذا نوى حكم للبائع بالمبيع زال، وكذلك المشتري إذا مطل البايع في ثمن المبيع كان حكمه حكم السارق وزال حكم البيع، وإنما يكون حكمه حكم السارق؛ لأن من شرى شيئاً معيَّناً بمال معيَّن ثم خبّأه من البائع وغباه ودافع دونه يكون حكمه حكم السراق: سرق نفسه، وماله، ودينه.
وأما الاعتذار بالمال والعيال فذاك من أعذار الأعراب فلم يقبلها ربُّ الأرباب، قال تعالى: ?سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا?[الفتح:11].(1/829)


وأما اعتذاره بالتعليم فلماذا يتعلم، إنما يراد العلم للعمل، فما ينفعه علمه وقد ترك أفضل الأعمال؛ ولئن مكّن الله تعالى لنفردنّ في هذا المعنى كتاباً لله سبحانه ينفع الله به المسلمين، ويقمع به المجرمين، ولا سلامة لمن ترك الجهاد ولا كرامة لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وسألت: عمَّن معه وصايا يقبلها، وهي خراب، وهو لا يعمرها؟
الجواب: إن ذلك لا يجوز، بل يجب إصلاحها، فما حصل من غلاتها كان لمصارفه ووجهه؛ لأنه لا يجوز مخالفة غرض صاحبها، وغرض صاحبها بكثير الخلاص أو الثواب، وذلك لا يقع مع خرابها، ولا يحصل الثواب إلا بما يحصل منها.
وسألت: هل يجوز لوالي الإمام أن يخلص الغارمين من بيت المال مما يجمع من الزكاة، والكفارة، وبيت المال، وإن لم يعين له الإمام؟ وما الفرق بين الغني والفقير في ذلك، وبين العاصي والمطيع؟ وما حقيقة الغارم؟ وهل ذلك ثابت لجميع المتصرفين أم لا؟
الجواب عن ذلك: إنَّ الغانم نقيض الغارم؛ لأن الغانم الآخذ والغارم المعطي، وهو في الشرع من عليه الديون لأنهم يُعطون، والزكاة والكفارة حكمهما واحد، وبيت المال: هو مال المصالح، ومن أعظم المصالح قضاء الديون.
وأما الغارمون أهل الديون (من) الأغنياء؛ لأن الله تعالى جعلهم نوعاً غير الفقراء والمساكين، ولا فرق في وقت الإمام في جواز قضاء دين العاصي كالمطيع؛ لأنه إذا جاز إعطاؤها لغير الدين فللدين أولى، ويجوز ذلك لمن كانت ولايته عامة أو كان مأذوناً له من المتولين.(1/830)


وسألت: هل يجوز لمن كان من أصحاب الإمام، الملتزمين بطاعته، العاملين بالكتاب والسنة أن يولّوا المساجد والأيتام والإنكاح لمن لا ولّي لها، ويقيم الجمعة، ويأمرون من يقيمها، ويعمرون المساجد في الأرض البيضاء أو في أرض بيت المال أو في أرض بإذن مولاها، ويأمر من لا يخرج الحقوق إلى الإمام أن يضعها في المستحقين من أهل مذهب الإمام، متى علم أنها لا تصل إلى الإمام، ولا ولاية لمن يفعل ذلك من الإمام ولا من واليه؟
الجواب: إنَّ هذا السؤال اقتضى إماماً آخر؛ لأن الإمام لا يراد إلا لما ذكرت، فإذا جاز ذلك من دون الإمام فما يراد بالإمام -والحال هذه - وكل ذلك لا يجوز إلا بالإمام أو بمن له ولاية من قِبَله.
وسألت: عمَّن يجني جناية وهو دون البلوغ، هل يفرق بين أن يكون له مال أو لا مال له، أو قرابة أو لا قرابة؟ وما حدُّ الجناية التي تتعلق بالمال؟ وما الجناية المتعلقة بالعاقلة؟ وما الحكم إذا تغلبت العاقلة؟ وما الفرق بين الجناية في المال والبدن؟ وما الفرق بين غناه وفقره عند الجناية وعند المطالبة؟(1/831)

166 / 170
ع
En
A+
A-