فأمَّا لمن يدعو إلى الله سبحانه فلا كلام في ذلك، وهو أبلغ من هذا كله، وقد قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: ?فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى?[طه:44]، ولا بدّ من تقديم السلام على القول اللين؛ لأن ترك السلام من الجفوة عرفاً وشرعاً، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرد على اليهود سلامهم إذا سلّموا عليه، حتى قالوا لعنهم الله تعالى: السّام عليك يا محمد. فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((وعليكم)). فقالت عائشة من خلف الستر: بل عليكم يا إخوان القردة. وهم يريدون الموت، فإن كان في موضع غلظة أو إقامة حدّ أو مصادفة فعلهم لمنكر لم يسلم عليهم شرعاً.
وسألت: هل يجوز للمسلم أن يتصرف فيما في أيدي الأجناد والظلمة من الكفرة الذين لهم دار يمضون فيها أحكامهم، إلى آخر ما ذكره في المسألة؟(1/822)
الجواب عن ذلك: إنَّ تصرف المسلم في أموال الكفار لا يكون إلا بسلم أو حرب، فإن كان بسلم جاز ذلك بإذنهم، وإن كان بحرب فهو فيء للمسلم فيه ما للمسلمين، وهم يملكون علينا أموالنا ونملك عليهم أموالهم بالقدرة، وإن أسلموا على شيء فهو لهم، وإن غلبناهم على أرضهم كانت فيئاً، وللإمام أن يقرّها في أيديهم، وأن ينزعها منهم، وأن يردّها على أربابها، وأن يعطيها سواهم، وأن يقسِّمها على الغانمين، وأن يجعلها خراجية، أي ذلك فعل فهو جائز، ولا فرق بين ما يؤخذ منه هبة أو ببيع أو غنيمة في وقت الحرب، وأنت تعلم أن الكل من الزيدية، بل العدلية لا تطلق على مرتكبي الكبائر اسم الإيمان ولا الإسلام الشرعيين، فقد خرجوا عن كونهم مؤمنين ومسلمين بالاتفاق ممّن ذكرنا، فكيف يخرجون من أسماء المسلمين، ودارهم دار إسلام وليسوا مسلمين، أو إيمان وليسوا بمؤمنين.
وأما التهويل بأسماء البلدان وتكبيرها وتعظيمها، بلد كذا، بلد كذا، فذلك لا يؤثر عند أهل المعرفة، ولا يفزع منهم أهل البيت عليهم السلام وإطلاقاتهم بتكفير من خالفهم كثيرة، وقد ذكرناها في بعض كتبنا وعيَّنا مواضعها من كتبهم عليهم السلام وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((بعثت بين جاهليتين أخراهما أعظم من أولاهما))، فكيف يكون حكم الجاهلية العظيمة إذا كان حكم أهلها الإسلام، ولم تكن دارهم دار حرب أو تكون منتظرة، ففي الحديث: ((أن الأصنام لا تعبد بعده))، وإن روي (غير هذه الرواية) فهذه الرواية أصحّ، فتأمل ذلك، وقد دخل حكم حجه تحت الجواب في المسألة الأولى، وأنه يعتبر الغلبة والسلطان.(1/823)
وسألت: هل يجوز للمسلم أن يأكل عند الظلمة؟ فما الدليل؟
الجواب: إن ذلك يجوز، ودليله أن علماء المسلمين لم يتوقوا ذلك، وكانوا يأكلون عند معاوية وغيره فلا ينكر أحد على أحد، وإنما أحدث الامتناع عن ذلك الفرقة المرتدة الشقية المسماة بالمطرفيَّة، وكانوا يمتنعون من أكل زاد الظلمة ويأخذون ما أعطوهم من طعام أو دنانير، فأحدثوا بدعة واستمروا عليها فكادت تكون عند من لا معرفة له سنة، إلا أن يتعيّن حرام فلا يجوز أكله، ولا فرق في ذلك بين غني وفقير، وفي غير وقت الإمام لا يجوز تناول بيت المال إلا للفقراء.
وسألت: إذا فسح الإمام في تناول شيء من الحقوق لنفسه أو لغيره، أو يسلمها من نفسه إلى مستحقها، هل هو على فسحه ما لم يحظر عليه الإمام أم لا؟
الجواب عن ذلك: إن الفسح يصحُّ، ويجب تجديده عند تجدد الحوادث، إن كان في ثمرة استأذن في الأخرى، أو في حقِّ معين استأذن في جنسه، أو في حركة إلى جهة استأذن إذا أراد الرجوع مرة أخرى، ولا تعم الأوقات إلا بالولايات المطلقة، فاعلم ذلك.
وسألت: إذا حضر المسلمون لضيفة في خطبة بين قوم أو عزاء، هل يأكل أم لا؟
الجواب: إن له أن يأكل؛ لأن الظاهر الإباحة، فأما في الأعراس فيجب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر عبد الرحمن بالوليمة فقال: ((أولم ولو بشاة)) وأمر بانتهاب النثار، وفي سائر ما ذكر يجوز قولاً واحدا،ً وهل يكره أم لا؟ فما غلب في الظن اختلاله كره إلا أن يعلم حراماً معيناً حرم تناوله، فأما التجويز والظنّ فلا يؤثر في ذلك.(1/824)
وسألت: هل يجوز للإمام أن يعطي الغني من الزكاة والكفارة وغيرهما من الحقوق؟ وإن كان يشتري بها الأموال هل يسوغ له (أعني الأخذ)؟ وما الفرق بين الإمام والوالي في ذلك مع أنه ليس بمؤلف ولا مجاهد إلا بقلبه ولسانه؟ وإن كان ذلك حد إمكانه، ويعدُّ بذلك من جملة المجاهدين، ويستحق ما يصير إليه، وما الفرق بين أن يكون غناه ظاهراً للإمام أو غير ظاهر؟
الجواب [عن ذلك]: إنه يجوز للإمام أن يعطي الزكاة والكفارة وغيرهما من الحقوق العاصي والمطيع والمؤمن والكافر، وسواءً شروا بها الأموال أم فعلوا بها ما شاءوا، والدليل على ذلك ماكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعله، فإنه أعطى المال عبدة الأوثان وهم باقون على حربه، وأعطى يهودياً من صدقة بني زريق بعضاً بدين كان عليه وبعضه وهبه له، وكل ذلك نرويه مسنداً، ويسوغ للآخذ على كل الأحوال، ولا يشرط في تناول الأموال الصلاح إلا الفرقة الملعونة المرتدة الشقيَّة، المسماة بالمطرفيَّة، فإنهم جعلوا مجال الأموال على أهل الإيمان، وحصروا الإيمان على قولهم ودينهم فتحجروا واسعاً وحظروا واسعة لا تنحصر، قال تعالى مخاطباً للكفار: ?هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا?[البقرة:29]، ولو فرق بين الإمام والوالي المطلق اليد في المال ومن جاهد بقلبه ولسانه ممن لا يقدر على غير ذلك فقد أدَّى ما عليه ويعدّ مجاهداً، ومثل هذا الجواب مروي عن علي عليه السلام في حديث طويل: ((من أنكر بقلبه فقد نجا، ومن أنكر بلسانه فله أجر، ومن أنكر بيده فلا تدري نفس ما أخفي لهم من قرة أعين))، فنوع المجاهد على(1/825)
المجاهدين بهذا، ومتى كان غناه غير ظاهر للإمام لزمه تعريف الإمام أو الوالي ذلك؛ لأنهم قد لا يعطون إلا للفقراء، فمتى عرفهم ذلك فأعطوه جاز له تناوله.
وسألت: ما الفرق بين الزكاة وبيت المال الذي للمظالم، والكفارة، والخراج، والصلح، والجزية؟ وما يجوز للغني وما لا يجوز؟ والفرق بين الفاسق في ذلك والمؤمن؟
والجواب: إنَّ الزكاة لا تجوز لبني هاشم ولا لمواليهم، ومال المظالم يجوز لبني هاشم، والكفارة تجري مجرى الزكاة؛ لأن الزكاة تطهّر المال، والفطرة تطهّر الجسد، والكل غسالة أدران الناس، فكيف يحلّه الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته صلوات الله عليهم والكفارة أدخل في باب التحريم، وإن كان الكل حراماً؛ لأنها غسّالة الأجساد، والصلح ما يجوز فيه بعد انقضاء أجله الزيادة والنقصان، والجزية محدودة لا بزيادة فيها على أجناسها ولا نقصان، وكان أهل الذمة على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الرأس دينار دينار، واستقرت الجزية على عهد الصحابة بإجماع الأئمة عليهم السلام ولأهل البيت عليهم السلام فيها وفي الصلح الخمس؛ لأنه من الفيء، ويجوز للغني والفقير من أهلها، ولا يعطي الفاسق من هذه الأموال إلا الإمام أو من يقوم مقامه، ولا يجوز للفاسق أن يأخذ ولا للمعطي أن يعطي إلا الإمام أو من ينوب عنه.
وسألت: هل يجوز شيء من الحقوق لمن يخرج عن الثمانية الأصناف، وهو لا يجاهد بلسان ولا مال، ويكره الشر على المخالفين ذلة لا بغضاً، ويقول: لم يتعبدنا الله تعالى بهذا ومعه أشياء جزيلة وغناه ظاهر إلا عند الإمام؟(1/826)