والحكم عند ظهور المسلمين على دار الحرب طهارة ما فيها من الجلود حكماً، وإن كانت عين النجاسة باقية.
والدليل على ذلك ما علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المدينة وهي دار حرب، ونواضحهم تسنى بجلود ذبائحهم وذبائح غيرهم من الكفار وقِرَبهم وغروبهم وآنيتهم من الجلود، فما أمرهم بإبعاد شيء من ذلك ولا تبديله، بل طهُرت حكماً بالإسلام، ومثل ذلك لا ينكر أن تنقلب عين النجس طاهرة في الحال لحدوث أمر، كما نعلمه في الكافر أنه عند الهادي عليه السلام نجس الذات كالكلب، والخنزير، والميتة، فإنه متى نطق بالشهادتين انقلب طاهراً في الحال حكماً والعين باقية، وإنما ذكرنا هذا الاستدلال محاذرة من إنكار الجاهل، يقول: كيف يكون الأديم نجساً ثم ينقلب طاهراً في الحال وعينه باقية؟(1/817)
قلنا: لتجدد أمر وهو غلبة الإسلام على أرضه، كما نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما فتح مكة حرسها الله عنوة وهي دار حرب لم يؤثر عنه أنه أمرهم بإبعاد شيء من أدمهم (وجلودهم) وأسقيتهم وآنيتهم الآدمية، وكذلك الطائف وهو مشهور بكثرة الأدم لما أسلموا أقرَّهم على ما في أيديهم من الجلود، ولو تتبعنا ذلك لطال فيه الشرح، ولو غلبنا على البلاد لانقلبت الجلود التي فيها طاهرة بالغلبة، وهذه براهين يعرفها أهل العلم، والعلم حاكم على الجهل، ولم يؤثر عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم كانوا يمتنعون من استعمال ما غلبوا عليه من الجلود، بل تطهر بالغلبة، وفرّع أهل العلم هذه المسألة أن دار الإسلام طاهرة، وطاهر ما فيها، ولا علة في ذلك إلا غلبة الإسلام حتى أطلق عليها: دار الإسلام، والتنجيس لا يقع بغالب الظنِّ وكذلك التطهير، فاعلم ذلك.(1/818)
ويجوز عندنا الانتفاع بالنجس كالزيت النجس، والسمن، والجلد، ويشترى ويباع وهو معيب بالنجاسة، فإن بيَّنه بائعه وإلا رُدّ بالعيب، وينتفع بالدهن النجس للسراج وما جرى مجراه، وكذلك الجلود ينتفع بها في جميع ما نفعت فيه ولا يُتَرطَّب بها، ولو قيل بغير ذلك لوقع الحرج، والعلة في جوازه جواز بيع الكلب وشرائه والانتفاع به وهو نجس الذات، ولم يعلم من أحد من المسلمين كافة من منع دمن الأرض بالنجس ولا تحريمه، والغالب على الدمن النجس، ولا يعلم المنع من ترك الوقاء على الحمار، والسرج على الفرس، بعد تنجسه بدم الدبر والعقر إلا أن يغسل، ولا الالتحاف بالثوب النجس، ولا يتربط به، ولا وجوب غسله إلا لمن أراد الصلاة عليه، وقد أعارت عائشة رضي الله عنها رجلاً بساطاً لها فاحتلم فيه وغسله قبل ردِّه، فقالت: (أفسد علينا بساطنا) وهي أحد العلماء، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة، واستدل من يقول بطهارة المني بهذا، وقلنا نحن في تأويل الحكم: إنه إنما أريد به الافتراش دون الصلاة عليه، فغيَّر عليها صباغه، وكان لا يجب غسله، فتفهَّم ذلك.
واعلم أنَّا قد بلينا بما لم يبل به من تقدَّم من أهل العلم، وهو أن كل سائل يطالب بالدليل، وجُل أهل العلم بل كلهم إلا القليل قالوا: لا يجب على المفتي تبيين علة الحكم. وكتب الأئمة [عليهم السلام] وعلومهم تنبي بذلك فإنك تجد أقوالهم مجردة عن العلل والشروط والأسباب والأدلة، وإنما علَّلَ العلماء أقوالهم بعد ذلك، وإن كانوا لم يقولوا إلا الأصل ودليله، فهذا ما تحملته هذه المسألة.(1/819)
وسألت: ما حكم الشيوخ المتقدّمين من أهل العلم رحمة الله عليهم في وقت الغز وقبلهم؟
والجواب عن ذلك: إن أمورهم تحمل على السلامة، ويكفي في ذلك أن نقول: الأصل صحة اعتقادهم وعلمهم، فحسن الظنِّ بهم يوجب أنهم ما فعلوا ذلك إلا لوجه يجيزه، إما بإذن من إمام عصر، وإما أن تكون البلاد قد استوت في الحكم، فلا معنى للانتقال من جهة إلى جهة وحكمها واحد، وإما لتعذّر الإنتقال، هذا هو الحكم العام في المسلمين كافَّة.
وأما العلماء فلهم حكم آخر، وهو أنهم ورثة الأنبياء عليهم السلام ونحن نحكي ذلك مرفوعاً ((أن العلماء ورثة الأنبياء وفي الآخرة من الشهداء))، ونحن نروي: ((أن للأنبياء على العلماء فضل درجتين، وللعلماء على الشهداء فضل درجة))، فإذا كان كذلك وقد علمنا أن فرض الأنبياء عليهم السلام معاشرة الكفار والفراعنة لإيصال حجة الله إلى عباده، فكذلك العلماء لئلا تبطل حجج الله تعالى؛ لأن العالم إذا هرب من الجهَّال والكفَّار بعلمه ولم يوضّح حجة الله تعالى على عباده كان قد أخلَّ بما يجب عليه لربِّه، وهذا في غير أعصار الأئمة عليهم السلام فأما في أعصارهم فيجب ردّ الأمر إليهم في الإثبات، والنفي، والفعل، والترك، لقوله تعالى: ?أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ?[النساء:59]، وأولوا الأمر هم: الأئمة، وقال تعالى: ?وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ?[النساء:83]، فيجب على الأمة في وقت الإمام رد الأمر إليه، قال تعالى: ?وَمَا كَانَ(1/820)
لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا?[الأحزاب:36].
وحكم أهل بوادي صنعاء حكم أعراب المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس لهم حكم أهل الهجرة ولا حكمهم حكم الكفار، وعلى المسلمين لهم النصر إن احتاجوا إلى ذلك، إلا على قوم بيننا وبينهم ميثاق.
وسألت: هل يجوز السلام على أهل دار الحرب باليد أم لا، وبالكتاب، أو ردّ في كتاب، أو لفظ شفاه؟ وهل لفسح الإمام في ذلك تأثير؟
الجواب عن ذلك: إنَّ ردَّ السلام جائز باليد، أو اللفظ، أو الكتاب، وردُّ الجواب واجب، ولا يفتقر ذلك إلى فسح الإمام إلا أن يكون قد حظره لمصلحة رآها.
والدليل على ذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يختلطون بالكفار ويسلِّمون عليهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكتب إلى الكفار يدعوهم إلى الله تعالى، ويستفتح كتبه: ((سلام الله عليكم، فإناَّ نحمد الله إليكم)). وقال له أصحابه: يا رسول الله، إناَّ نجالس اليهود في كثير، فيعطس أحدهم، فنستحي منهم، ولا ندري ما نقول لهم؟ فقال: ((قولوا: يهديكم الله ويصلح بالكم)) وهذا أبلغ من مصافحة اليد؛ لأنه دعاء، وقد قال لعتبة بن ربيعة: ((يا أبا الوليد))، وفي الكنية إنصاف، ونحن نروي ذلك مسنداً.(1/821)