فهذا حتى أتينا على آخر ما أردنا ذكرناه للبنات، وأشرنا إلى أكثر الأمور إشارة لتضايق الأوقات وتراكم الأشغال والحاجات، فعليهن تعرف ما يلزم معرفته مما أشرنا إليه، فإنما جعلنا هذه الرسالة تنبيهاً لا بياناً إلا في القليل، وعليهن المودة بعضهن لبعض، والأخوة فهم القوامون عليهن، وما أمكنهن وأخوتهن وسائر المسلمين أن يفعلوه عني في حال حياتي وبعد وفاتي أو يوصون به من يقبل الوصية من صدقة عني أو بر أو قتل مطرفي أو مرتد من فرق الضلالة أو إحسان أو صلاة أو صيام أو ذكر أو إخراج صدقة فطر أو زكاة أو نذر فليفعلوا جزاهم الله خيراً، وهو من البر لي والإحسان إليّ الذي وصى فيه الحكيم سبحانه، ولا يستقللن من ذلك قليل ولا يستكثرن كثير، القليل يكثره الله سبحانه، والكثير هو يستحقه، ويستأذن الأزواج فيما يفعلن من ذلك إلا أن يكون من أموالهن فلا ضير ولا حرج، وما أمكن من عتق أو حج أو عمارة مسجد أو منهل فإن ذلك لي نفعه ولفاعله ثوابه مضاعفاً لأن فيه بر الوالد وطاعة الرب، وقد جهدت في المساواة بينهن وبين إخوتهن في إثبات البر للإخوة وتجهيزهن بما أظن أنه يساوي بينهن وبينهم كما قسم الله سبحانه إن لم يكن حظهن أرجح من غير أن أتعمد أثرة.
فأما ما كان من الطين والزرائع فلم أكلف نفسي فيه ما لم أكلفه ووكلته إلى قسمة الحكيم.(1/812)


والمراد من الجميع الدعاء لي في حال حياتي والترحم والترضية بعد مماتي وأن يحللني الجميع فيما وقع مما يخالف الحكم مما لم أعتمده ولما اعتمدت؛ لأن أجمع فهو أخرم ويأتي من وراء الحاجة وإن كنت لا أتيقن في ذلك اعتماداً، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه وهو التواب الرحيم، وأسأله العفو والعافية في دار الدنيا والآخرة، والسلام عليكم أجمعين ورحمة الله وبركاته.
وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وآله وسلم
تمت نساخة هذه الوصية بحمد الله باري البرية غفر الله لكاتبها وكافأه عنه بمنه وكرمه والحمد لله وحده، وصلوات الله على رسوله سيدنا محمد وآله وسلم(1/813)


أجوبة مسائل له عليه السلام سأل عنها الفقيه يحيى بن الحسين الريان
سألت أيدك الله فقلت: إذا كانت صنعاء دار حرب وما جانسها، نحو: عدن، وزبيد، والجند، وتهامة، وبغداد، ودمشق، وغير هذه الجهات ممَّا جانسها وكان من يصل إلينا من هنالك أو من يتصل منَّا بهم أيضاً يترطَّب بالدلاء، ويجلب الهمائن، والمحازن، والبطاط، والحذو، والسروج، وسائر الآلات، ويترطب بالعنب وسواه وما يتصل من رطوبات ذبائحهم، ويقع الاختلاط في دار الإسلام في الطهور والعيش وسواه، ما يكون الحكم؟ فغالب الظنِّ أن ما به بيت في الجهة ولا إنسان إلا وقد بلغت رطوبتهم إليه، وهل تصحُّ الصَّلاة على هذه الصورة أم لا؟ وهل يجب الغسل فيما قد اتصل بالرطوبة من جميع الآلات التي للمسلمين ولحافهم، كيف يكون الحكم في الماضي والمستقبل؟ وما الفرق في ذلك بين العالم والجاهل؟ وهل يجوز بيع شيء من جلود ذبائحهم الواصلة والانتفاع بها؟(1/814)


الجواب عن ذلك: اعلم أيدك الله تعالى أن التطهير والتنجيس إنما يقعان شرعاً، والشرع لا يعلم إلا من الشارع الشريف سلام الله عليه وعلى آله الطيبين وهو: بالقول، والفعل، والتقرير، فما كان عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو المراد بالنصوص، وما كان عن مجموع الأمة قولاً أو فعلاً أو تقريراً ألحق بذلك، وما كان عن آحاد الأمة للعلماء فهو الفتاوي، وما كان عن صفوة العترة عليهم السلام فهو علوم، يقال: علوم آل محمد صلى الله عليه وعليهم وهو أقوى من الفتاوي، والكل شرع ودين وعلم، فإذا قد تقررت هذه الجملة فلنذكر دار الحرب، ودار الإسلام، ودار الفسق؛ لأن الدور عندنا ثلاث، لكل واحدة منها حدُّ وحكم.
فأما دار الحرب: فهي كل دار تظهر فيها خصلة أو خصلتان من خصال الكفر، ولا يحتاج مظهرها إلى ذمة ولا جوار، ولا يكفي في خروجها من دار الكفر أن يظهر فيها الإسلام إذا كانت الغلبة للكفر، بأحد ثلاثة وجوه:
- إما أن يكون السلطان ممن يرى بتلك الأقوال أو الأفعال الكفرية.
- وإما أن يكون الكفر أظهر.
- وإما أن تكون الغلبة لأهله.
ودليل ذلك أن مكة حرسها الله تعالى كانت قبل الهجرة دار كفر، وفيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون يظهرون دينهم ولا يكالمون فيه أحداً ويغالبون في بعض الأحوال ويتهددون الكفار بالقول، ويفعلون في بعض الأحوال.
وأما دار الفسق: فهي الدار التي يظهر فيها الفسق بغير متاقاة ولا حشمة من أهل الإسلام، لأحد الثلاثة الوجوه التي قدَّمنا.(1/815)


وأما دار الإسلام: فهي ما خرج من حدِّ دار الكفر، فإذا علمت هذه الجملة فاعلم أن حكم الدار معلوم موجود في كتب الأئمة عليهم السلام من حرمة المناكحة، والموارثة، والقبر في مقابر المسلمين، إلى غير ذلك مما هو معلوم.
وحكم دار الفسق عند من يوجب الهجرة منها، وهو القاسم بن إبراهيم عليه السلام ومن تابعه من أولاده، وقال بقوله من العلماء رضي الله عنهم أنه لا يصلّى على من مات فيها من المسلمين متمكِّناً من الهجرة ولم يهاجر، ولا يقبرون في مقابر المسلمين ولا في مقابر الكفار، وتحلّ مناكحتهم وموارثتهم، وذبائحهم عند بعض القاسمية، ومنهم من منع من ذبائحهم أيضاً، والكلام في ذلك يطول، وإنما نذكر جملاً تدلّ على ما وراءها، وكل دار يظهر فيها إثبات قديم مع الله تعالى، كمن يقول: بقدم القرآن، أو يثبت للباري سبحانه رؤية كالقمر ليلة البدر، أو يضيف أفعال عباد الله تعالى من المخازي والقبائح إلى الله تعالى، أو يجوِّز عليه سبحانه الظلم، أو ينفي شيئاً من أفعاله عنه، أو يضيف شيئاً من أفعال عبيده إليه فإنه يكون كافراً، وداره بما قدمنا من الاعتبار دار حرب، ولا خلاف في ذلك بين القاسمية والناصرية واليحيوية، وهو قول جميع علماء المعتزلة ومحصلِّي العدلية، لا نعلم أحداً منهم يخالف في ذلك.
والظاهر في دار الإسلام طهارة ما فيها، ولا يكون للتجويز والتقدير حكم، فما وجد فيها من الجلود فظاهره الطهارة، ولا حكم للتجويز والتقدير، وما كان في دار الحرب من الجلود فحكمه التنجيس، ولا حكم للتجويز والتقدير.(1/816)

163 / 170
ع
En
A+
A-