وأرادت نزوعه عنه إن لم يكن خلقة لطفت له في ذلك أحسن اللطف وأغمض الإشارة وأرته أن إزالة ذلك مما يزينه، وإن كان تركه لا يشينه، وإن كان خلقة لم تظهره له ولم تذكره، فإن ذكره دافعت عنه وأرته أنه لا شين فيه إذ ذلك مما لا يمكن إصلاحه فتسعى في إصلاحه، وإن أمرها بشيء وهي تعلم الصلاح في غيره أظهرت المساعدة ثم فعلت ما تراه صواباً كالمشورة فإن سارع إليه وإلا لم تعقه عن سببه وبادرت إلى احتمال مؤنه، ومتى خلعت قناعها مع زوجها فلتخلع قناع الحياء فيما بينها وبينه فبذلك جاءت السنة الشريفة لأن الله تعالى خص الزوجين من الأنس بما لم يخص به الوالدين وأولادهما فما القول فيمن دونهم، ويجعل الحياء شعاراً ودثاراً من جميع الناس، ولا تكثر الكلام مع الأجانب، ولا تخضع في القول إلا أن تعظم حالها فتأمر بطاعة الله وتنهي عن معصيته، ولا تصف لزوجها أحداً من النساء كل الصفة، ولتظهر الجهل بأكثر ما يسأل عنه من هذا الباب، ولا تأذى من شيء وهو يرى أنسه به، ولا تدع شيئاً في بيتها حتى توقعه حتى إذا ضاع شيء عرفته، ولا تعر شيئاً من بيتها حتى توقعه لكي تطالب به وتجتهد في صيانته، ولا تعر شيئاً من بيت زوجها إلا بإذنه إلا أساور الدار فإن ذلك يجوز لها عاريته وإن كره لأن الأمر ورد به وهي القدر والفأس والحبل والدلو والرحى، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه.
فهذا ما نأمر به ذوات الأزواج من البنات.(1/807)
وأما من يرجى زواجها وتريد الزوج، فإنها تلزم الحجاب، ولا تبد إلى النساء الدورات، ولا تريهن شيئاً من محاسنها، ولا تكثر الكلام، ولا تنظر كل النظر إلى النساء، ولا تكثر الضحك، ولا تجاوز التبسم وإن جرى أمر يوجب الخروج إلى النسوان لم تطل الوقوف معهن ولم تلبث كل اللبث، ولا تتزين بزينة ذوات الأزواج من حلي ولا لباس ولا طيب، ولا طيب أطيب من الماء للأبكار الحرائر، ولا يجالسن إلا من يجالسهن في البكارة والسن، وإن ألجئن إلى حديث من حديث النسوان رجعن فيه إلى أخواتهن فإنهن أولى بهن من سائر النسوان وأحرى أن يكتمن ما يوجبه الأمر في المحاورة أشد الكتمان، ولا تلبس شيئاً من الثياب المشهورة، ولا تنفر من كل من يريد بصرهن كل النفرة، ولا تأنس به كل الأنس، ولا يرفعن أصواتهن بالكلام ولا الخصام، ويعظمن حال أمهاتهن، ويرعين لهن حرمة أبيهن، ويتعلمن ما لا غنى للنساء عن علمه من العلاج والصنعة من الغزل وصنعة الطعام على أنواعه والخرازة وإن أمكن النسج، وصنعة الآنية من التوار والأغطية والمناسف والدباغ والطحن، فهذا كله لا ينقص ذوات الأقدار عن مقاديرهن ولا تضيع منازلهن من الرفعة، وقد كانت أمنا فاطمة عليها السلام تغزل لنفسها وبالأجرة، وتطحن النفقة، وتخدم البيت، وبذلك قضى عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا شرف أعظم من شرفها، ولا كرم على الله يوازي كرمها، وهذا كله بعد الإحاطة بكتاب الله تعالى ودرسه وحفظه والتفهم له وتعلم أحكام الطهارة والصلاة وصورهما ووضوءها.(1/808)
وأما من أضربت عن الأزواج أو لم يبق لها زوج فإن لها بذلك مزية؛ لأن من جداتنا رضوان الله عليهن من رغبن عن الأزواج لشرف نفوسهن، وعلو هممهن، فتفرغن لعبادة الله سبحانه، وظهر صيتهن، وعلا شرفهن، وكن بحيث يضرب بهن الأمثال، كربابة بنت أبي هاشم الفاضلة العالمة العاملة رضوان الله عليها، وكذلك بنت أخيها حمزة بن أبي هاشم سلام الله عليه تسمى زينة وهي التي ظهرت بركتها حتى التزم الناس لها البر في مخاليف اليمن، وكان لها قدر أربعين عاملاً من خدامها ومن غيرهم، وكانت الأموال تجتمع إليها وتعظم فتفرقها نفاقاً في سبيل الله تعالى وللمدارس والعمارات في السبل والمناهل والمساجد، وكانت العلماء يجتمعون إليها للدراسة والتدريس، وكذلك كانت عمتها رضوان الله عليها إلا أن عمتها كانت أعلم بحيث كان الفقهاء يرجعون إليها فيما يختلفون فيه من غوامض مسائل الشرع، وكان البر يجمع إليها من أقطار البلاد، وخلفت مالاً جليلاً، وكذلك أيضاً بنات أخيها حمزة بن أبي هاشم أخوات لزينة بنت حمزة من أبيهن وهن ثلاث رغبن عن الأزواج، وكان فيهن صلاح ظاهر، وكان لهن بر واسع أيضاً، فإن كان ذلك فليقع منهن التشمير للعلم، والتفرغ لعبادة الباري سبحانه، والحرص على طلب الخير واتباع الرشد، والمواساة للفقراء على قدر الإمكان، ومن وسع الله عليه من الكل أو البعض في الرزق لم يغفل عن إخراج حق الله تعالى في كل حول لأنه إن تأبد وطالت عليه المدة عسر إخراجه وثقل حمله، فإن الغلول من جمر جهنم؛ والغلول هو منع الحقوق وهو اسم الحرام أيضاً، ولا يفرطن في دراسة العلوم وإدراك فقه الآباء عليهم(1/809)
السلام بعد أخذ جملة قوية من أصول الدين ولا مانع من ذلك لمن تخلت عن الدنيا ورفضت زينتها، والحج إن أمكن ذلك فإنه جهاد النساء لأنه ليس عليهن قتال، ولا يدعن ما أمكن من الصيام، ويتعلمن أنواع صلاة النوافل: كصلاة التسبيح، وصلاة الرغائب، وصلاة شعبان النصف منه، وصلاة الأحداث: كصلاة الكسوف، وصلاة العيدين، وصلاة الجنائز، وأنواع الدعاء المسموع والتسبيح المسموع، ويتعرفن أنسابهن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحفظن ذلك، فإن الشريف الفاضل قاسم بن يحيى وكان من علماء أهل البيت وفضلائهم أخبرني بنسبه إلى الحسن بن عبد الله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم عليه السلام فقلت له: من أين أخذت هذا؟ فقال لي: من جدتك الشريفة الكاملة زينة بنت حمزة، قال: دعتني وأنا صغير، وقالت: احفظ نسبك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وألقته عليَّ مراراً حتى حفظته، فعجبنا لحفظها أنساب أهل البيت عليهم السلام وكثير من رجالهم لا يعرف نسبه فكيف نسب غيره، وليعلِّمن من طلب العلم ويرشدن من تحرى الرشاد، ولا يدعن ما يمكن من علم الطب بإتقان وبصيرة، ولا يتعلقن بشيء من النجوم إلا معرفة المنازل لعلم أوقات العبادة، ويتبادرن إلى مواساة الفقير، وجبر الكسير، وينزهن أنفسهن من الكذب في الجد واللعب، ولا يقبلن مدح من يمدحهن بما يعلمن خلافه من أنفسهن، ومن أمكنها البكاء من خشية الله تعالى فلا تمنع عبرتها من السفوح؛ فإن قطرة الدمع من خشية الله تعالى تطفي بحاراً من النار، ولا يقلقلن عند الحوادث والنوائب كما تفعل خفاف النساء من شق الجيب وخمش الوجه، ولا تنسى من(1/810)
ذكر الله، ويصابرن ذكره حتى يكون أقرب الذاكرين عهداً بالله، ولا يظهر منهن السب فإن وقع إليهن صبرن وحملن وعفون، ولا يبدين زينتهن لليهوديات ولا النصرانيات، ولا للنساء المتهتكات، ولا لغير المحارم، وليس بين الرجل وامرأته عورة بحكم الله تعالى، وسائر المحارم لا يجوز لهم تعمد ما وراء زينة الوجه واليدين إلى المنكبين والرجلين إلى الركبتين والرأس إلى الصدر، هذا يجوز لمحارمهن نظره، ولا يجوز نظر ما وراءه لهم ولا إبدائهن، ولا يجوز لهن الخيلاء بالحلية والزهو على نظائرهن في الحسب ممن لم يؤته الله مثل ما آتاهن، ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وليضربن بخمرهن على جيوبهن، هذا تعليم رب العالمين.(1/811)