وأما الحج فحكم النساء فيه مساوٍ لحكم الرجال والحيض والنفاس لهن سبيل الجنابة للرجال، لهن أن يقضين المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، ولا تلبس الحلي ولا الثياب المصبوغة مما له رائحة كالورس والزعفران، ولهن لبس المعصفر، ولهن رمي الجمار يوم النحر في نصف الليل الآخر إلى آخر الرمي، فهذا يخالفن فيه الرجال، ولا يستلمن الأركان كراهية الزحام، وإنما يشرن إليها ولكراهية الزحام وضعفهن وسع عليهن في الرمي بالليل وقبل طلوع الشمس، ولا ينتقبن، ولا يغطين وجوههن في الإحرام؛ لأن إحرامهن في وجوههن، وليخفضن أصواتهن في التلبية وفي جميع الذكر، ولا يتزاحمن لسماع خطبتي الإمام قبل التروية بيوم ويوم عرفة ولا خطبة العيد وإنما يسألن من دنا من محارمهن عن قوله إلا أن يسمعن من البعد فلا حرج وهو أفضل، ولا يقصرن من الشعر عند الإحلال إلا قدر الأنملة عرضاً وقصر أكثر لا حرج فيه ما لم يكن فاحشاً، والقليل إلى حد الأنملة أفضل، ومن حج بها زوجها فهو أولى، وبعده عصباتها وذوو أرحامها على منازلهم وقربهم وإن لم تقع مساعدة من وليها ولها مال لزمها استجارة إن لم ينهض إلا بالإجارة ما لم يسألها مالاً يجحف بحالها، ولا تطيب، ولا تغتسل بماء فيه من طيب، ولها أن تغتسل بالماء القراح، وترك الغسل إلا من الحيض والجنابة والنفاس أفضل، وكذلك الكحل ولا سيما ما فتق بالطيب، ولا تلبس السخايب من الطيب، ولا يكره لها لبس القلادة والسوار الواحد لئلا تشبه بالرجال، فإن لبست المشك من الذيل والقرون فهو أفضل للحاجة من حلي الذهب والفضة لأن ذلك المقام مقام التذلل ورفض الزينة كما في(1/802)


الحديث: ((أفضل الحاج الأشعث الأغبر)) وفي بعض الحديث ((الأذفر)) ولم يفرق بين الذكر والأنثى، فإن كان معها زوجها كره لها ممازحته ومداعبته وملاصقته حتى يحل الإحرام.
وإنما ذكرنا باب الحج والصلاة في كتابنا هذا لأن في الوجهين أحكاماً تخالف أحكام الرجال، وربما يلتبس الفصل فيها على بعض أهل المعرفة، فأردنا بذلك التعريف والهداية، ولولا تراكم الأشغال لبينا كل باب فيما أشرنا إليه مفصلاً، فإذا كان الأمر كذلك فمنهن متزوجة ومنهن يرجا لها الزواج ولا ندري من لا يقدر لها الزوج، ولكل واحدة أمر وحكم لا بد أن نذكر منه طرفاً.(1/803)


فأما المزوجة فإنا نوصيها بتقوى الله تعالى في زوجها، فإن حقه مفروض من الله تعالى، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لو أمرت أحداً بالسجود لأحد أمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو سال من منخريه الصديد والقيح ولحسته ما أدت حقه))، وحقه عليها أن لا تمنع نفسها منه في حال غضب ولا رضى ولا ضيق ولا سعة ولا نضارة بترك الزينة وهجر الطيب والطهارة وتفقد فراشه من المؤذيات، وتعهده في المطعم والمشرب، ولا تظهر حب شيء يكرهه، ولا تظهر كراهة شيء يحبه وإن كان الأمر عندها بخلافه، ولا تبالغ في مدح نظرائه ممن يحل لها نكاحه ولا صفة أحد منهم بالجمال والكمال فإن ذلك يقدح زناد الغيرة في قلبه ويولد الشك في نفسه، ولا تمازحه بما لا يحل فعله ولا قوله، ولا تكثر الغيرة عليه فإن ذلك من أسباب الطلاق، ولا تقابل شدته بالشدة، ولا تنس ما جعل الله تعالى للرجال على النساء من الولاية، ولا تعظم ما يصل إليها منه من الإساءة، ولا تظهر المسرة عند غمه، ولا الغمة عند سروره، ولا تظهر له أنها لا تهابه، وتشعر نفسها مع خوف الله سبحانه خوفه لأن الله تعالى قد أذن له في ضربها وهجرها، ولم يأذن لها في ضربه وهجره، ومن أذن له السلطان في السطوة هيب، فكيف من أذن له علام الغيوب، وعليها غض البصر والصوت، والتشدد في الحجاب، وحفظ الفرج كما أمر الله سبحانه ديناً وحمية على شريف الأصل وكريم الفعل، وحفظ بيت الزوج وماله من قليل الضياع وكثيره، فلا تعطي من ماله إلا بإذنه، ولا ترضع من لبنه إلا برضاه، وتحفظه في أهله وأقاربه وعبيده وإمائه حتى لا توالي عدوه ولا تعادي(1/804)


وليه، ولا تقرب من بعّده، ولا تبعد من قرّبه، وإذا دعا أجابته بالتلبية، وبادرت إليه قبل فوات الحاجة، وإن سألها تأنت في الجواب حتى تعلم معنى المسألة، وإلا لطفت في الاستعادة، فإن رأت منه ميلاً إلى زوجة أخرى أو هوى في جارية لم تظهر له العلم بذلك ولا تنازعه فيه، فالقلوب لا يردها العتاب، وطلبت ذلك بحسن المعاشرة وطيب المعادلة، ولا تعامله معاملة الأكفاء، ولا منازعة النظراء، ولا تثق بجمالها وحسنها في كفاية ميل قلبه إليها فإن الرفق وحسن العشرة يغلب ذلك كله، وأصل الأمر وفرعه أن لا تعصيه في قول ولا فعل إلا أن يأمرها بشيء من معصية الله تعالى فترده عن ذلك بوعظ ولين، وتخويف سطوة رب العالمين، ولا تفرط في معونته بما تعين به مثلها مثله إن كان فقيراً فبالعلاج والغزل وعمل بما يمكنها من آلة البيت، وإن كان غنياً فبالحفظ والترتيب، ولا تفشي له سراً، ولا تبد له خبراً، ولا تذكر شيئاً مما يعيبه فيه لقريب ولا بعيد، وتجتهد في تعظيمه ما استطاعت، ولا تنازعه ولا تشاوره ولا تماره، وإن ترفع تواضعت، وإن قسا لانت حتى تنحل سخيمته، وتلين شكيمته، ولا تشعره أن أحداً أعلى منه قدراً، فإن كان عاقلاً فهو يعرف من فوقه ومن مثله ومن دونه، وإن كان جاهلاً فتح ذلك باب الشر من قبله لأن للرجل نخوة الظهور على المرأة وأقصى مراده أن يتقرر عنده أن نفسها لا تطمح عنه إلى الملك فمن دونه، فإن وقع ذلك في نفسه تكدر عيشه ولم يؤمن طيشه.(1/805)


وعليها أن تباشر خدمته بنفسها، ولا تكل ذلك إلى غيرها؛ لأنها سكنه وأنسه، ونفسها مشتقة من نفسه، هذا في خدمته التي تخص نفسه من طعامه وشرابه وفراشه ومنامه، وأن تقوم على سائر الأعمال بالنظر والأمر والتفقد والاستنابة، ولا ترضى في الأعمال من الجوار والمستخدمات بما ينفذ، بل تشد في ذلك نهاية الشدة حتى تستمر الأحوال على الاستقامة، ولتتفقد الطعام عند النقو وعند الطحن وعند العجن، فإذا انتهى إلى حال الخبز فقد انقطعت عنه الصنعة، فإن كان ردياً لم يمكنها استدراك فائته وإحياء مائته، ولتتفقد آنية الماء وآنية العجين والطحن والرهي بالتنظيف والتطهير وتأمر من معها بالطهارة، فإنا سمعنا من أهلنا أن أكل الطعام النجس يقسي القلوب، وأحسبهم ما قالوه إلا وهو يرفع إلى النبي عليه السلام ومن علم نجاسته حرم عليه، ولا يؤنس المستخدمات من السطوة، ولا توقع فيهن يد القهر والقدرة فإن كل راع مسئول عن رعيته، ولا تغفل تاريث النار ولا تنظيف المنزل بالبياض وغيره، وليكنس في كل يوم مرتين، ولا تغفل قراءة كتاب الله عز وجل فإنه إمام الأئمة، ومنهاج سبل السلامة، وهو الإمام الأول، ولتجعل لها وصيفة تلزم نفسها قراءتها في كل يوم، ولا تغب عما تعاينه من الأعمال إلا بإقامة نائب وقد وثقت به لئلا يتعود من تحت يدها الإهمال، ولا تكثر على زوجها الإدلال، ولا تلحف في السؤال، وتحمده على قليل ما يسدي إليها، وتكبر صغيره، وتعظم حقيره، فإن ذلك يغريه بالإزدياد في الإحسان، وإن أظهر العجب من شيء تعجبت لتعجبه، وإن استقبحه قفت أثره في ذلك وأظهرتفقده، وإن عاينت في زوجها شيئاً(1/806)

161 / 170
ع
En
A+
A-