وقد أكدنا ما أمرنا به من أمدنا الله تعالى به من الذرية التي نرجو من الله تعالى تطييبها وتزكيتها وصلاحها باتباع ما وضعه لنا الآباء سلام الله عليهم، وألقيناه إلى الأولاد كما ألقوه علينا، فإن أبانا رحمه الله ونور ضريحه قال لنا في بعض أيامه التي حضنا فيها على طاعة الله ربنا، فجزاه الله عنا خيرا قولاً معناه: (ما عذركم في معصية الله إن عصيتموه، وما أعلم بينكم وبين جدكم علي بن أبي طالب عليه السلام وأبيكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا إماماً سابقاً أو مقتصداً أو عبداً صالحاً وكذلك الأمهات، وأما أنا فحالي ما تعلمون) فأحاله إلى علمنا فيه، وما علمنا منه رحمة الله عليه إلا الصلاح قولاً وعملاً، وتفصيلاً وجملاً، وعلماً وتعليماً، وتدقيقاً وتجسيماً، فجزاه الله عنا خيراً، وكان يعد في أعيان العترة ويرجا منه لهذه الأمة كشف الغمة وتعجيل النصرة.
ولقد روى لنا بعض الصالحين عن حي القاضي العالم سليمان بن شاور رحمه الله أن الناس كانوا متى خاضوا في أهل البيت عليهم السلام والقائم منهم قال لي: منهم إمام متى دعا أجبته فإذا سئل من هو قال حمزة بن سليمان.
والذي علمنا من أمره جملة بالمشاهدة وما تقضي به صورة الحال التي يعقلها بالمشاهدة أنه كان من جملة العلماء وعبادته وتهجده شاهدناه وعايناه، فأما كرمه ومروءته فمما لا يتمارى فيه من عرفه أو سمع به ثم ما علا من أب كان أعلى إلى أن ينتهي النسب إلى رسول الله الملك الأعلى سلام الله عليهم.(1/797)
وإنما ذكرنا ذلك ليشتد حرص الأبناء على حفظ هذا النسل الشريف من دنس الأوزار، وأعمال أهل النار، التي نزهت منها الذرية الزكية وتباعد عنها خيار البرية، وقد حرضنا الأولاد الذكران بما أمكن، وجعلناه نظماً فهو أمتع وصية وأرفع، وكان للبنات حق كما هو للبنين والكل من ذرية النبيين سلام الله عليهم أجمعين، وإنما أردنا ذلك للخروج عن عهدة ما يلزم لهم بحق الولادة وحسن التربية، وذكرنا لكل ما يليق به، فأمرنا الرجال بمكارم الأخلاق، والصبر في مواطن الجلاد، والدفاع عن الدين، وحفظ الجار والصاحب، وإكرام الضيف، والحلم عن السفيه، وجمع العلم وتعظيم أربابه، وطاعة الأئمة والأمراء إن كانوا مأمورين، وحسن السياسة إن كانوا آمرين، ومنابذة الفرق الضالة عموماً والفرقة المرتدة الغوية المسماة بالمطرفية خصوصاً، ورعاية حق ابن العم والصاحب، ولم نذكر لهم الأخ، لأنا استعظمنا أن يجفو الأخ أخاه، وأن يخص على هذا الأشراف والرؤساء، وعلمنا من نفوسنا أنا كنا لأخوينا وهم لنا بحيث لا سبيل إلى مجال متسع في ذكر البر والنصفة بيننا لوقوع ذلك إلى حد لا مزيد عليه ولا معنى لسؤال من يسأله فيكون عابثاً، ونرجو كونهم كذلك إن شاء الله تعالى وأفضل.
وإذا قد تقررت هذه الجملة رجعنا إلى ما كنا بصددهمن ذكر البنات وما يلزم لهن من الوصاة، فأول ما نأمرهن به تقوى الله تعالى في السر والعلانية، والقيام بفرائضه من الوضوء والصلاة والصيام والحج، وقراءة القرآن، وعبادة الرحمن، وحسن الخلق، والمواساة للسائل والمعتر، وتخصيص الأقارب وذوي الأرحام مع العموم لمن أمكن إيصال النفع إليه.(1/798)
فأما غسل الفرجين فهو أمانة، والمراد به إزالة النجاسة، والفاضل الشريف لا يخون أمانته، فإذا غلب في الظن طهارة ما هنالك وقعت المضمضة والاستنشاق حتى يطهر الفم فهو طريق القرآن، والمنخرين فهما مجرى الأنفاس، وذلك بعد تخليل الأسنان ودلكها بالسواك، والأصابع واللسان كذلك، فإذا طهر بدأت بغسل الوجه من أعلاه غسلاً نظيفاً بالدلك والصب، فإذا فرغ الوجه غسلت اليدين تبدأ من أعلى الذراع إلى أسفله فهو أولى بالتطهير وإن كانت النسوان تبدآن من أسفل إلى أعلى، ثم يقع التغشي وهو مسح جمجمة الرأس وجوانبه إلى مقاص الشعر من القفا، ولا يجب مسح الغدائر والعفور إلى نهايتهن، بل ما علا كما ذكرناه؛ لأن ذلك هو الرأس، ومسح الرقبة بعد ذلك بماء جديد، ثم تغسل الرجلين، وتخلل بين أصابعها، وتغسل بطونهما وعرقوبهما، وهذا كله بعد تقديم التسمية في الإبتداء، والنية عند الشروع في غسل الأعضاء.(1/799)
اللهم إن وضوئي هذا لتأدية ما أمرتني به من الفرض والنفل طاعة لك فعلتها لوجوبها، وهذا يخطر البال من دون كلام، وإنما تقرر معنى الكلام في القلب، ثم تستقبل القبلة في المكان النظيف، وأفضل المواضع للعبادة للإمرأة قعر بيتها هو لها أفضل من المساجد، قال الله تعالى لأمهاتكن: ?وقرن في بيوتكن? فإذا استقبلت القبلة توجهت ولم تؤذن ولم تقم، ثم تنوي أي صلاة وجبت أو أحب أن أصلي كذا عبادة لله تعالى لوجوبها إن كانت واجبة أو المندوب إليها إن كانت مندوبة، ثم تكبر وتقرأ الحمد وسورة، ثم تركع منصبة إلى الأرض كهيئة من يهوي للجلوس ورأسها متقاعس لئلا تنحني فترتفع عجيزتها، ثم تسبح وتقوم وتنحط إلى الأرض انحطاطاً كالذي يجلس ولا تخر كما يخر الرجل، فإذا استقرت على الأرض عزلت قدميها في جانب وانعطفت ساجدة بالقرب من ركبتيها، ولا ترفع عجيزتها، ولا تجافي جنبيها عن إبطيها، بل تضم وتجمع، كما أنها في حال قيامها تجمع قدميها وتضم فخذيها وكذلك السجدة الأخرى والركوع الآخر، فإذا تشهدت التشهد الأخير سلمت سلاماً خفيفاً لا تبالغ فيه بالإلتفات كما يفعل الرجل، فإذا قضت صلاتها سبحت إن كانت لها مسبحة سبحت فيها وإلا فبأصابعها فاستعمالهن في حق الله سبحانه من جملة العبادة، هذا بعد أن تعرف أحكام الوضوء وأحكام الغسلين، الغسل من الجنابة والغسل من الحيض.(1/800)
فأما النفاس فحكمه حكم الحيض فإنها تنقض شعرها في الحيض والنفاس، وتجبي الماء على رأسها من الجنابة ببل أصول الشعر، ولا حرج عليها في العقص والظفائر، فإذا قامت بذلك فقد أدت ما يلزم من العبادة، وعليها تقليم أظفارها والاستنان بالسواك، وتلزمها الزكاة لحلي إن كان لها مائتا درهم قفلة فضة، أو عشرون مثقالاً أو قيمة أحدهما، ولا تفرط في ذلك في كل حول فإنه إذا اجتمع صعب، ولو أخرجته قليلاً قليلاً من أول الحول إلى آخره لجاز وهان.(1/801)