السؤال الرابع [في أربع مسائل]
قالوا قوى الله في طاعته أركانهم وشد باجتماعهم على كلمة الهدى بنيانهم: هل التعريف من الإمام السابق يكفي في صحة إمامة من بعده ممن ينطق بأنه إمام أو باتباع من هو محتسب فيما تجب طاعة الجميع فيه أم لا؟ وهل يستوي فيه إن كان طريقاً المعصوم وغيره؟ وهل لأهل الحل والعقد من العلماء إلزام الإتباع من سائر الناس الإنقياد له والإتباع كما يلزم بالبحث والإختيار أم يستوي الجميع في وجوب البحث عما تثبت به الإمامة؟ وهل تستوي في ذلك حال السابق والمقتصد أم يفترقان؟
الجواب عن ذلك: أن السؤال يشتمل على أربع مسائل:
الأولى:هل تعريف الإمام السابق يكفي في صحة إمامة من بعده …إلى آخر السؤال أم لا؟(1/777)
والجواب عن ذلك: إن الأمام لا يخلو إما أن يكون ممن علمت عصمته أم لا يكون كذلك، فإن كان ممن علمت عصمته كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وولديه سلام الله عليهم وعليه فإن نص من هذه حاله على إمامة شخص من الأشخاص يوجب اتباعه وتلزم ولايته وموالاته واعتقاد فرض إمامته، وإن كان غير معصوم فإن نصه على الإمام يكون مقوياً لأمره باعثاً على اتباعه؛ إذ إمامة ذلك الشخص لا تثبت إلابدعوته وتجرده للقيام بالأمر وتوطين النفس على تحمل أثقاله، فبذلك تجب إمامته، وما يثبت بالنص يوجب إمامة الإمام وإن لم يتصرف لبعض الأعذار، فالأعذار لا تسقط فرض إمامته، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ولديه الحسن والحسين سلام الله عليهما: ((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)) فأثبتت الإمامة مع القعود لما كان ثبوتها بالنص، ومن لا نص عليه فالأعذار تسقط فرض إمامته وتوجب إقامة من يزول عذره ممن يصلح لذلك، فهذا هو الفرق بين الأمرين، والكلام في المحتسب ينبني على هذا.(1/778)
المسألة الثانية [تضمنتها الأولى]
قالوا ثمر الله عديدهم ودمر عنيدهم: هل يستوي فيه إن كان طريقاً المعصوم وغيره أم لا؟
الجواب عن هذه المسألة قد اندرج في ضمن الأولى فوقع هنالك.(1/779)
المسألة الثالثة [ما لأهل الحل والعقد من العلماء في الموضوع]
قالوا عمر الله ديارهم وأعلى منارهم: هل لأهل الحل والعقد من العلماء إلزام الإتباع من سائر الناس الانقياد له والإتباع كما يلزم البحث والإختيار أم يستوي الجميع في وجوب البحث عما ثبتت به الإمامة؟
الجواب عن ذلك: إن العقد والإختيار عندنا غير صحيح، فكذلك ما ينبني عليه وأهله يردونه إلى أصلٍ غير مستقيم وهو عقد السقيفة ونحن لا نراه، وأقصى ما يحتج به في ذلك عقد المسلمين الإمارة لخالد بن الوليد يوم مؤتة ولم ينكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وعندنا إن ذلك إطباق من ملأهم لدفع الضرر عن أنفسهم ولم يندفع إلا بذلك فوجب؛ لأن دفع الضرر عن النفس بما يغلب على الظن أنه يندفع به يجب عقلاً فخالف العقود الشرعية، ولذلك أقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا وجه للمجانسة بين الأمرين، وهؤلاء يقصرون على واحدٍٍ يعقد له خمسة أو أربعة على اختلاف القول في ذلك فأي أصل صحيح يرجع إليه العقد والإختيار.
فأما لو صح العقد والإختيار لصح ما انبنى عليه، وعمدتهم في ذلك نص أبي بكر على عمر وذلك عندنا غير مستقيم وأسبق ما يتعلق به من يميل إلى هذا كتاب علي عليه السلام إلى معاوية، أما بعد:
فإنه عقد لي من عقد لأبي بكر وعمر فلم يكن للشاهد أن ينكر ولا للغائب أن يختار.
وعندنا إن علياً عليه السلام ألزمهم ذلك جدلاً لالتزامهم واعتقادهم وجوب صحته مستظهراً به عليهم، وإلا فعنده، وعندنا إن إمامته ثابتة لغير ذلك وهو النص.(1/780)
وإذا كان كذلك ولا بد من البحث والإختيار وهو فرض العلماء دون غيرهم والعوام أهون تكليفاً في ذلك؛ لأن ما يشترط من خصال الإمامة يشترك في العلم به العامي والعالم لأنه مشاهدٌ كالشجاعة، والسخاء، والزهد، والورع، والفضل، والمنصب، والعلم على سبيل الجملة أن هذا الشخص عالم ومعدود في العلماء الكل يشترك في ذلك، وإنما على العلماء معرفة القدر الذي يحتاج إليه في ذلك وبحثه عنه حتى يكونوا على يقين في أمره، فإذا صح ذلك لهم يلزم العوام طاعته، وإن رجع العلماء عن ذلك لزم العوام الاستمرار على طاعته لأن إمامته قد صحت في الأصل وصار العالم مأموماً، فإذا اختلف الإمام والمأموم فاتباع الإمام أولى، فإذا تجرد ودعا وجبت طاعته على الجميع سواء عقد له أو لم يعقد؛ لأن المعصية لا تسقط الفريضة.(1/781)