المسألة الرابعة [ما يجوز للمحتسب من التصرفات والأفعال]
قالوا أيدهم الله: ما يجوز له من التصرفات والأفعال؟
والذي يجوز له بل يجب عليه إذا زاحت علته عليه النهي عن المنكر بلسانه وسيفه على مراتبه، والأمر بالمعروف بلسانه دون سيفه، وسد الثغور، وتجييش الجيوش للدفع عن المسلمين، وحفظ ضعفتهم عن شياطينهم بالقول والفعل، والدعاء إلى طاعة الله، والتأهب لإجابة دعوة الداعي من عترة رسول الله، وحفظ الأوقاف، وتفقد المناهل والمساجد والسبل، والمنع من التهارج والتظالم.(1/772)
[ما يختص به السابق]
وأما ما يختص به السابق فإنه يختص بأربع خصال:
إقامة الجمعة.
وأخذ الأموال طوعاً وكرهاً.
وتجييش الجيوش لقصد الظالمين.
وإقامة الحدود على من وجبت عليه وقتل من امتنع من الإنقياد لها.
فهذا لا يكون إلا للأئمة السابقين دون المحتسبين.(1/773)
المسألة الخامسة [جواز قيام أكثر من محتسب تباين الديار]
قالوا أيدهم الله: هل يجوز الإحتساب لأكثر من واحد في الوقت الواحد؟ وهل يشترط تباين الديار كما قيل فيمن أجاز ذلك في السابقين؟
والجواب عن ذلك وبالله التوفيق: أنه يجوز قيام محتسبين عدة في وقت واحد، فذلك جائز بل واجب لمن زالت علته، لقوله تعالى:? سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة…?الآية وقوله تعالى: ?والسابقون السابقون? ولا بد من تباين الديار؛ لأن احتساب أكثر من واحد في جهة واحدة يلزم منه التنازع فينتقض الغرض، الغرض الذي لأجله طُلب هذا الشأن، وقد قال تعالى:?لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا? فعلَّل الفساد بتصرف أكثر من واحد فاعلم ذلك.(1/774)
السؤال الثاني [في عزل المحتسب عند ظهورالسابق]
قالوا أيدهم الله: هل ينعزل المحتسب المقتصد عند ظهور السابق أم لا؟
الجواب عن ذلك: أن هذا السؤال يشتمل على ثلاث مسائل:
الأولى منها:هل ينعزل المقتصد عند ظهور السابق أم لا؟
والجواب عن ذلك: أنه ينعزل وتنتقض الولايات المعقودات بعقد أهل الإختيار، وأبلغ من ذلك ارتفاع أحكام أهل الأموال في التصرفات في واجبات أموالهم والعاقد لهم بجواز التصرف في ذلك رب العالمين فكيف غير ذلك؛ لأن الإمامة رئاسة عامة لشخص من الأشخاص في الدين والدنيا ولا يكون ذلك إلا بما ذكرنا.
المسألة الثانية: قالوا أيدهم الله: هل تقر أحكامه أم لا؟
والجواب عن ذلك: ان أحكامه كلها ثابتة مقرة، لأنه عقدها على وجه يجوز له التصرف بل يجب عليه إلا ما يتعلق بالإستدامة والإستمرار فأمره إلى الإمام السابق إن شاء أجراه على حاله وإن شاء قطعه من وقته.
والمسألة الثالثة: سؤالهم تعيين من يصلح لذلك ممن نعلمه وقد تقدم الجواب عنه في السؤالين الأولين.
وتعيين من عيناه لا يمنع من ثبات ذلك في غيرهم ممن لم يخطر بالبال أو يقع صلاحه في الاستقبال.
وقد قررنا شرائط الإحتساب أولاً، فمن جمعها جازت له الحسبة.(1/775)
السؤال الثالث [هل للمحتسب ما إلى السابق]
قالوا أنماهم الله وثمرهم وشد أزرهم وظفرهم: هل إلى هذا المحتسب ما إلى السابق مما ينبغي لبيت المال ليصرفه حيث يوجبه الشرع الشريف والدين القويم أم لا؟
والجواب عن ذلك: إن المحتسب لا ولاية له في شيء من أموال الله سبحانه، ولا يجوز له قبضها إلا أن يأذن له قبضها ويأمره بذلك، فيقبضها بيد الوكالة لا بيد الولاية ولا يتعدى فيها أمرهم وما وافق غرضهم فإن تجاوز ذلك ضمن.
وإنما له أن يأخذ من صميم أموالهم ما يدفع به عنهم من الضرر ما يوفي على مضرة أخذ المال ونفعه لهم أضعافا مضاعفة كثيرة، وليس في وقت المحتسب مؤلفة من مال رب العالمين، وإنما هذا يختص بأوقات الأئمة السابقين، فتيقنوا ذلك منحكم الله هدى الراشدين.(1/776)