وأما ما ذكره [السيد] أبو طالب عليه السلام فهو مستقيم عندنا؛ لأن أمير الجيش لا بدَّ من وصاته بتقوى الله في نفسه خاصة وفي أصحابه خيراً، ودعاء المشركين واجب إن لم تكن الدعوة قد بلغتهم وسنة إن كان قد بلغتهم، وإن قبلوا الإسلام وجب الكفّ عنهم، وكان حكمهم حكم الإسلام، وعليهم الهجرة في تلك الحال إلى المدينة؛ لأنه كان قبل الفتح فرضاً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا هجرة بعد الفتح)) نفي الوجوب وبقي الجواز، فيكون حكمهم حكم التارك لفريضة، وإن كان في دار الهجرة فهو لا يخرج من أحكام المسلمين الظاهرة بتركها، بل يكون فاسقاً [تجري عليه أحكامهم ولهم ما لهم]، إذ لا قائل بخلافه وهذا حكم قائم مستقل في إفادته بالمراد منه، وإن هم أبوا فأخبرهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة ولا في الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فسماهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلمين، وأجرى عليهم أحكام المسلمين، ومنع أن يكون لهم حظّ في الغنيمة والفيء ما لم يهاجروا، ولم يحكم بكفرهم إذا لم يهاجروا.(1/762)


والكلام في ذلك: إن أمور الإسلام مضبوطة إلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعده إلى يومنا عند أهل العلم، كل سنة بأحداثها وحالها، وفتوحها وكسورها، وأوساطها وثغورها، وجميع أسبابها وأمورها، وقبل الفتح إنما كان ملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحجاز، وقد كان شاع في اليمن ولم يتعد دومة الجندل في الشام، وقيل (في) أذرح، وأما في نجد فلم تتجاوز مياه غطفان إلا أن يكون تجارة من دون استقرار، وقد ذكر أنه قال: ((أعرض عليهم الإسلام فإن أسلموا)) ولم يقل: فإن أسلم بعضهم وبقي من له شوكة على المسلمين منهم فلا يكون الدار دار حرب إلا بذلك، فإذا كان الغالب فيها الإسلام فهي دار إسلام، وهذه المسألة ذكرناها وأصحابنا يعلمون ذلك قبل إتيان هذه المسألة، بل لأنهم سألوا عن ذبيحة صنعاء.
قلنا: لا تجوز.
قال: فذبائح بني شهاب وسنحان.(1/763)


قلنا: حكمهم حكم أعراب المسلمين، تجوز ذبائحهم، وحكمهم حكم المسلمين في كل شيء إلا أنه لا نصيب لهم في الغنيمة والفيء إلا أن يدخلوا معنا في جهاد العدو، وقد كان الحجاز دخل في الإسلام بلدة بعد بلدة، ونحن نعرف باديته وحاضرته وترتيب إسلام أهله تفصيلاً وجملاً، لولا الأشغال التي يعلمها المشاهد وذو الجلال لشرحنا في ذلك شرحاً طويلاً، وهو موجود في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التأريخ وهي لنا سماع، فكل حي من أحياء العرب أسلم فإنه لم يبق فيه بغير إسلام إلا من هو مقهور في جنبهم، والدار -والحال هذه - تكون دار الإسلام بلا إشكال، وبترك أهلها لخصلة ممَّا وجب عليهم أو خصالاً لا تخرجهم من أمر أحكام المسلمين عليهم، ولسنا نحكم بكفر من ترك واجباً إذا كان ملتزماً بجملة الإسلام، ولا يقول بذلك إلا الخوارج، ومن قال بقولهم.(1/764)


وأما قوله أيده الله: لم يعقل من الخبر إلا أنهم أسلموا وأقاموا بدار الحرب، فهذا غير مستقيم؛ لأن دار الحرب ما كانت الشوكة فيها والغلبة للكفر وأهله وذلك لم يكن ليتصوَّره من يعرف الحال كيف كانت العرب في جاهليتها، كان لكل قبيلة منها بلدة لباديتها وحاضرتها لا يدخل عليها إلا المغير مخاطراً، أو المستأمن زائراً أو تاجراً، وهذا معلوم لنا ولمن كان يعلم، فإذا جاء جيش المسلمين إلى الحي الذي هذه حاله، وأعرض عليهم الإسلام فأسلموا، فمن أين أن دارهم تبقى دار حرب والحال هذه!!، فهذه قريش على كثرة عَددها وعُددها، وشدة بأسها وجلالها لم تتمكن من الخروج إلى بدر مخافة لبني بكر بن عبد مناة لدماء كانت بينهم حتى دخل إليهم الشيطان لعنه الله إلى دار الندوة في صورة سراقة بن جعشم، وقال لهم: إني جار لكم من بني بكر بن عبد مناة ومن أهل نجد فامضوا بطلبتكم، وقد ذكر الله ذلك سبحانه في قوله: ?وإذ زيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَان أَعْمَالَهُم وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُم اليَوْم مِن النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُم?[الأنفال:48].
وأما قوله أيده الله: لكانت دار إسلام فلم يلزمهم التحوّل، فالتحوّل كان واجباً قبل الفتح على جميع من أسلم، ولا يتخلّف متخلِّف إلا بإذن أو أمر، وذلك معلوم لأهل العلم، وقد نبّه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((لا هجرة بعد الفتح))، يريد الوجوب لا الجواز.(1/765)


وأما قوله أيده الله: إلا أن يقال: إن الحكم كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل المدن وأهل القرى إذا أسلموا بقاطبتهم حتى لا يبقى منهم كافر لا يقبل ذلك منهم حتى يهاجروا إلى المدينة ولا تكون دارهم دار هجرة ولا دار إسلام، فما الدليل؟
والكلام في ذلك: إن حكمه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن القوم إذا أسلموا أو أسلم أكثرهم، بحيث يكون الإسلام قاهراً للكفر فإن دارهم تكون دار إسلام ولا تكون دار هجرة قبل الفتح؛ لأن المصلحة تعلّقت بذلك، وتعلق بإثباتها ونفيها أحكام قد قدَّمناها.
فأما دارهم فليست بدار هجرة، وأما دار إسلام فهي دار إسلام كما قدَّمنا.
فأما الشرح والتطويل فلم نتمكّن من ذلك، ولو تمكَّنا لكان مراداً لنا، ففيه شفاء للقائل والقابل، فهذا ما أمكن من الكلام في هذه المسائل والجواب على تراكم الأشغال، ومن الله سبحانه نستمد التوفيق في جميع الأحوال، والحمد لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على محمِّد وآله.(1/766)

153 / 170
ع
En
A+
A-