والكلام في هذه المسألة كالكلام في الأولى؛ لأن الكفر عندنا لا يكون بمجرد الحلول في دار الحرب؛ لأن عندنا يجوز للإمام وللداعي السكون في دار الحرب، وقد فعل ذلك يحيى بن عبد الله وهو إمام، وفعل ذلك الناصر الأطروش عليه السلام وهو داعٍ قبل عقد إمامته، وأصله فعل الأنبياء عليهم السلام وذكر إقامته في دار الحرب مجرداً من قولنا: مختاراً غير متمكن من الخروج لا يبيح خلافاً في المسألة؛ لأناَّ لا نقول: بأنه يكفر بمجرد الإقامة؛ لأناّ قد أجزنا ذلك لمن قدَّمنا ذكره، وللضعيف، والمسكين، والمرأة، والممنوع، والجاهل بالسبيل فيخشى التلف للجهل، وإنما كان تحقق الكلام في المسألة لو قال: وأقام فيها مع التمكن من الخروج عنها، فإن صرَّح مصرّح منهم بأنه يجوز للمسلمين السكنى في دار الحرب مع التمكّن من الخروج كانت المسألة خلافاً، ولسنا نستوحش مما خالفنا في هذه المسألة ولا غيرها، وحكمنا في المسلم في دار الحرب هو هذا الحكم متى حملنا حاله وذكر لنا إسلامه رعياً لجلالة الإسلام، وتغليباً لأمره، وأولاده الصغار لا شكَّ مسلمون بإسلامه، وهذا عندنا مستقيم.
وأما أولاده الكبار فحكمهم راجع إلى أنفسهم إن أسلموا فحكمهم الإسلام وإن كفروا فحكمهم الكفر، ولا يجوز قتله والحال هذه عند أحد من أهل العلم ولا سبي أولاده.
وأما الضياع والعقار فحكمهما عندنا راجع إلى الدار، ولذلك يغنمهما المسلمون كما تغنم دار الحرب، والشافعي يقول: حكم أملاكه حكم أولاده الصغار ومماليكه من العبيد، فقاس الضياع على العبيد، وهذا عندنا غير مرتضى.(1/757)


فأما من نعلم حاله وتمكنه ويختار سكنى دار الحرب على دار الإسلام فإنه يكون عندنا كافراً بذلك، لما قدَّمنا من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((أنا بريء من مسلم سكن مع كافر))، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتبرأ من المؤمنين، ولأناّ قد ذكرنا قول السلف من أهل البيت عليهم السلام وعلماء شيعتهم رضي الله عنهم في تكفير من فعل دون السكنى؛ وهو مهادنة الكافر المتمرِّد ورويته صلحاً وذلك دون السكنى بكثير؛ لأن السكنى إخلاد وركون بالاتفاق، وقد ورد النهي عن ذلك.
وقوله: ولو كان كافراً بإقامته في دار الحرب، لم يتأتى هذا التفريع، فذلك صحيح، ولسنا نقول: إنه يكفر بمجرد السكنى، فقد تبيَّن لك معنى ما ذكرت إن شاء الله تعالى.
قال أيده الله تعالى: وقد ذكر الفقهاء مسألة قريبة مما ذكرنا، قالوا: لو أسلم رجل في دار الحرب فقتله مسلم مستأمناً في دار الحرب من قبل أن يهاجر، فإن قتله خطأ ففيه الكفارة، وإن قتله عمداً، فقال الشافعي: إن قتله وهو يعلم بإسلامه فعليه القَوَد. فكيف يتأتى هذا الخلاف إذا كان كافراً بإقامته في دار الحرب؟(1/758)


وروى السيد أبو طالب عليه السلام في (شرح التحرير) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمَّر رجلاً على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، إلى أن قال له في آخر الخبر: ((إذا لقيت عدوكم من المشركين فادعوه إلى إحدى ثلاث خصال، فإن هم أجابوا إليها فاقبل منهم وكفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثم ادعهم من التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم: إن فعلوا ذلك فإن عليهم ما على المهاجرين، ولهم ما لهم، وإن [هم] أبوا فأخبرهم: إنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)) فسماهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلمين، وأجرى عليهم أحكام المسلمين، ومنع أن يكون لهم حظٌّ في الغنيمة والفيء ما لم يهاجروا، ولم يحكم بكفرهم إذا لم يهاجروا، ولم يعقل من هذا الخبر إلا أنهم أسلموا وأقاموا بدار الحرب، إذ لو كانت الدار التي هم فيها قد أسلم أهلها كلهم كانت دار إسلام ولم يلزمهم التحوُّل عنها.
قال أيده الله: اللهم إلا أن يقال: إن الحكم كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل المدن والقرى إذا أسلموا بقاطبتهم، حتى لا يبقى بينهم كافر لا يقبل ذلك منهم حتى يهاجروا إلى المدينة، ولا يكون دارهم دار حرب ولا دار إسلام، فما الدليل؟ فتنعَّم بالجواب عن هاتين المسألتين مبرهناً مفصَّلاً مشروحاً على كل فصل من ذلك، ولا تمل إلى الإيجاز والاختصار؟(1/759)


الكلام في المسألة الأولى: إنَّ الإسلام عندنا يصحُّ في دار الحرب ودار الإسلام على سواء، والهجرة فرض آخر كفروض الإسلام المعلومة، ولا يجوز قتل المسلم في دار الحرب ولا في دار الإسلام، ولا بذلك قائل من أهل العلم، فإن قتله مؤمن مستأمن في دار الحرب من قبل أن يهاجر فإن قتله خطأ ففيه الكفارة، وإن قتله عمداً، فقال الشافعي: إن قتله وهو يعلم بإسلامه فعليه القَوَد.
قال: فكيف يتأتَّى الخلاف إذا كان كافراً بإقامته في دار الحرب؟
الكلام في ذلك: إنَّ هذا كلام في حكم قتل المسلم في دار الحرب من قبل أن يهاجر، فهو دليل على وجوب الهجرة التي تقدَّم ذكرها، وليس في المسألة أنه ترك الهجرة مختاراً من غير عذر، إذ لو كان كذلك لكانت المسألة خلافاً، وإنما ذكر قتله قبل الهجرة في دار الحرب؛ لأن الخلاف هل هدرها خاصّ أو عام؟ وهل قتله فيها شبهة يدرأ القَوَد أم لا؟ وليس في حكم المذكور، فتأمل ذلك موفقاً إن شاء الله تعالى.
وقول الشافعي: إن علم بإسلامه فعليه القَوَد، ودليله الظواهر في قتل المؤمن: ?النَّفْسَ بِالنَّفْسِ?[المائدة:45]، ولم يسقطه شبهة الدار.
وعندنا: أن القَوَد جارٍ مجرى الحدود ويسقط بالشبهة، كما أناَّ نسقطه إذا اشترك في قتل المكلف والصبي أو الإنسان والسبع، أو اتهامه فله وجه يوجبه ووجه يسقطه فأسقطناه لذلك، وكذلك هذه الدار التي هي دار الحرب هدر ما فيها، وللإسلام حرمة يمنع جانبه فأسقطه وجه وأوجبه وجه فسقط عندنا، والشافعي لم ير ذلك، فهذا الذي توجَّه فيه الخلاف.(1/760)


وأما جواز السكنى في دار الحرب، وأن لا هجرة على من أسلم فيها، وما حكم من أقام فيها مختاراً من غير ضرورة؟ فلم يذكر ذلك، فنذكر ما يبتني عليه، ولو خالف فيه فقيه أو عالم مثلاً لم نترك ما قلنا فقد كفّرنا كثيراً ممّن لم يكفّره الفقهاء، بل هو عندهم قدوة في الدين، فالخلاف يتأتَّى كما بينَّاه، فتأمله تجده كما قلنا إن شاء الله.
ولهذا كان الكلام في هذه المسألة؛ لأنه عندنا لا يكون حكمه حكم المسلمين إذا اختار السكنى في دار الكفار، بل يكون حكمه حكمهم.(1/761)

152 / 170
ع
En
A+
A-