وأما قصة الفتح في قوله تعالى: ?وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ? …إلى قوله: ?وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا?[الفتح:24،25]، قال: فسماهم تعالى مؤمنين مع إقامتهم في دار الحرب.(1/747)


الكلام في ذلك: إنَّ الآية ظاهرة الحكمة، واضحة العلم، لا يغبى دليلها، ولا يلتبس سبيلها، وبيان هذه الجملة أن الإسلام لشرفه رفع من دخله، فالحمد لله تعالى، فلم يبق [فيه] مشروف ولا شريف، ولا صميم ولا حليف إلا وذكر اسمه، وكذلك أسماء العبيد والنساء والإماء، وقولهم هذا يعلمه العلماء، ولا يتناكرون فيه، وأصدق من قولنا قول رب العالمين، فإنه أخبرنا تعالى بأناَّ لا نعلمهم ولا نجهل -والحال ما قدمنا - إلا الضعيف المغمور، والقبح لنا معلوم، وحديثه مشهور، ولا نعلم أنه بقي في مكة من يقدر على الحراك، وقد أخبرنا تعالى بأنهم لا يحسنون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، وأخبر تعالى بغضبه على الذين لم يهاجروا مع القدرة على ذلك، فقال تعالى: ?الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا…?إلى آخر الآية[النساء:97]، فأخبر تعالى بحالهم وأن الوعيد لاحق بهم، ولم نعلم [أن] أحداً من المسلمين وسّع له الله تعالى ورسوله في سكنى دار الحرب مع التمكِّن من الهجرة إلا العباس رضي الله عنه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن له في الإقامة بمكة لمكان السقاية، فلما طالت عليه المدة، واستبطأ الفتح نهض بأولاده مهاجراً إلى الله ورسوله، فلقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجحفة فأنفذ أهله وولده إلى المدينة ورجع مع الجيش، والقصة فيه مشهورة، وقد كانوا يقطعون القيود، ويفكون الأغلال، ويركبون الأهوال، ويفارقون(1/748)


الأولاد والأموال لعلمهم بوجوب الهجرة، ولزوم فرض النصرة، ولهذا تهدد وأخبر بكفر من استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التخلف لغير عذر يعلم الله صدقه، فقال الله سبحانه: ?إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ?[التوبة:45]، ووسمهم بالنفاق، ورماهم بالشقاق، وهم يظهرون كلمة الإسلام مشاركون للمسلمين في ظاهر الأحكام، وهل علم من الله ورسوله ترخيص في الهجرة، لو علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو لا يجيز تخلف المتخلفين، إما أن يكون بإذن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بغير إذن، فإن كان بإذن فلا كلام في جوازه، وعندنا أن ذلك يجوز للأغراض، وإن كان بغير إذن فالفاعل لذلك عاصٍ بالاتفاق.(1/749)


وفي التأخر أيضاً قسمة أخرى، يقال: هل كان التخلف لعذر أو لغير عذر؟ فإن كان لعذر فهو مؤمن بلا خلاف، وهم الذين ذكرهم الله في مكة حرسها الله تعالى وإن كان لغير عذر فهو عاصٍ ملعون، حكمه مع الكافرين الكفر ومع الفاسقين الفسق كما قدمنا، وقد كان في النساء في مكة محنة عظيمة؛ لأن منهم من أراد الهجرة فمُنِع، منهم: أم سلمة رضي الله عنها أرادت الهجرة فمنعت على أنها في صناديد بني مخزوم، وحاولت ذلك زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإذن زوجها أبي العاص وهو في الأعياص، والعباسيين من بني عبد شمس، وهي في ذؤابة هاشم والمطلب فمنعت من ذلك، ووحش عليها هبار بن الأسود بالرمح إلى هودجها فألقت ذايطنها، فكيف يحكم بأن تأخر المتأخرين في مكة كان مع تمكّنهم أو باختيارهم.
وأما قوله: ولم يفصل تعالى بين كونهم قادرين أو غير قادرين، فمن يعلم القصص والآثار يعلم ضرورة أنه لم يقف في مكة حرسها الله تعالى إلا عاجز أو ممنوع.(1/750)


وأما قوله في قوله تعالى في سورة النساء: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ? …إلى قوله: ?فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ?[النساء:92]، فسماه عزّ وجلّ مؤمناً مع أنه من قوم عدو لنا، وأوجب على من قتله الكفارة دون الدية، وهذا إذا قتله وهو يظنُّ أنه كافر ودعت الضرورة إلى قتله؛ بأن لا يمكن قتل أهل دار الحرب إلا بقتل المؤمن الذي يكون عندهم فحينئذ يسقط القَوَد والدم وتجب الكفارة، ولا يعقل من هذا إلا أنه مؤمن بين كفار، إذ لو كان مؤمناً بين مؤمنين لوجب على من قتله القصاص إن كان القتل عمداً، أو الدية والكفارة إن كان خطأً بالإجماع، سواءً كان عدواً لمؤمن آخر أو غير عدو، وسواءً كان المؤمنون الذين هم بينهم أعداءً لآخرين أم غير أعداء.(1/751)

150 / 170
ع
En
A+
A-