فأما ترك الإرث لترك الهجرة فذلك كان في بدء الإسلام ونسخ، فإن صحَّ أن في دار الحرب مؤمن سقط عنه فرض الهجرة للعجز أو بعض الأعذار المخلصة عند الله سبحانه، فإنه كان لا يرث في بدء الإسلام من قريبه المهاجر شيئاً فيكون على هذا أن المراد بالولاية الإرث ويستقيم القول على لفظ الآية، فيكون الإيمان شرعياً في الطائفتين على سواء، وكيف يصحُّ ارتفاع الولاية بين المؤمنين، والله تعالى يقول: ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ?[التوبة:71]، فلولا حمله على ما ذكرنا لكان متناقضاً سبحانه وتعالى أن يكون في قوله مثل ذلك، وقد قال سبحانه:?وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا?[النساء:82:]، ولا اختلاف أعظم من تنافي المعاني، وإن يثبت بأحد اللفظين المتماثلين ما ينفيه الآخر.
وأما قوله أيده الله تعالى: إنها نزلت في قوم مؤمنين بين كفار إذ لو كانت الدار التي هم فيها قد أسلم أهلها كلهم لم يجب عليهم الهجرة، ولأي شيء يهاجرون إذا كانت الدار كلها قد أسلم أهلها؟! فلم يبق إلا أنها نزلت في كفار بين مؤمنين، هذا لفظ السؤال، ويغلب في الظنِّ أنه غلط، وأن المراد في مؤمنين بين كفار، فسماهم الله عزّ وجلّ مؤمنين، ونهى عن ولايتهم لا غير.(1/742)
والكلام في ذلك قد تقدَّم، وظاهر لفظ الآية أنها في قوم آمنوا ولم يهاجروا، وهم على نوعين:
إما قوم آمنوا فعُذِروا من الهجرة للضعف، أو لغيره من الأعذار فانقطع إرثهم وإن كان إيمانهم صحيحاً لعدم شرط الإرث في الحال الأولى وهو الهجرة.
وإما أن يكون في قوم آمنوا صدقوا الله ورسوله، ولم يهاجروا مع التمكّن من الهجرة فسقط حكم ولايتهم لأجل ذلك، وسماهم تعالى مؤمنين على أصل اللغة.
وأما التعلق بلفظ النصرة فلا وجه في ذلك يوجبه؛ لأن النصرة تجب لغير المؤمنين، كما تجب نصرة الذمي، ومن دخل دارنا بأمان وإن كان كافراً، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كان عقد بينه وبين اليهود حلفاً على المناصرة حتى نقضت ذلك اليهود يوم الأحزاب، وقد نصر الناصر عليه السلام جستان وهو مجوسي على أهل خراسان وهم يدعون الإسلام، فلا يمتنع أن تتعلق المصلحة بأن ينصر من آمن بالله تعالى ورسوله على من جحدهما، وإن كان حكمه حكم الكفار لبعض الأسباب.(1/743)
وأما قوله: ونهى عن ولايتهم، فكيف ينهى تعالى عن ولاية المؤمنين لإخوانهم المؤمنين، وقد أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بالتبري من أبيه، كما قال سبحانه: ?فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ?[التوبة:114]، والولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين من أصول الدين، لا يختلف في ذلك أهل العدل والتوحيد، وهو مذكور في كتب الأصول، وظهوره أغنى عن ذكر شيء منه، ولا يصحُّ أن ينعقد الإيمان على ترك ولاية المؤمنين في جميع الشرائع ولا ذلك ممّا يصحُّ فيه النسخ، فأما ولاية الإرث فلا مانع من ذلك، فالآية دالة على ما قلنا على أي وجه.
قال أيده الله تعالى: وقد قسم الله تعالى الناس في آخر الأنفال على أصناف:
منهم: من آمن وهاجر، وله حكم.
ومنهم: من آمن ولم يهاجر، وله حكم.
ومنهم: من أصرَّ على الكفر، وله حكم.
ومنهم: من آمن وآوى ونصر، وحكمه حكم من آمن وهاجر.(1/744)
وقال تعالى (في سورة الفتح) في قصة فتح مكة: ?وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ?[الفتح:24] …إلى قوله تعالى: ?وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ?[الفتح:25]، فسماهم تعالى مؤمنين مع وقوفهم في دار الحرب، وكفَّ أيديهم عن قتلهم، فقال تعالى: ?لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا?[الفتح:25]، فلو كانوا كفاراً لوقوفهم بين أهل مكة لكان حكم الجميع حكماً واحداً، ولم يحتج إلى الكفّ ولا يقول: ?لو تزيلوا?.
قال: ولم يفرِّق بين أن يكونوا قادرين على الانتقال.
والكلام في ذلك قد تقدَّم أكثره؛ لأنَّ الله تعالى ذكر المهاجرين والأنصار جملة، حيث قال: ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ?[الأنفال:72]، فهذه في المهاجرين والأنصار، وقد تقدَّم الكلام فيها، وقال: ?وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا?[الأنفال:72]، فهؤلاء على وجهين:(1/745)
إما أنهم آمنوا ولم يتمكنوا من الهجرة فلا ولاية لهم، أي لا إرث كما كان في صدر الإسلام التوراث بالهجرة، فمتى عدم الشرط عدم المشروط، ونحن لهم أولياء في الدين وإخوان في الله، ودينهم صحيح لا نقص فيه.
والوجه الثاني: أنهم آمنوا وصدقوا بالله وبرسوله وبالدين ولم يهاجروا مع التمكن، فهؤلاء الذين لا ولاية لهم باطنة ولا ظاهرة، وعلينا لهم النصرة لمصلحتنا كما ننصر المعاهدين وإن كانوا كفاراً حكماً ومعنى، وبعد هذا قوله تعالى: ?وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ?[الأنفال:73]، فأخبر بالولاية بين الكفار، وأوجب تعالى الولاية بين المؤمنين، وفرضها باقٍ إلى الآن، وإن لم نثبت الأحكام التي علمنا ونمضيها على وجهها يكن إهمالنا لها فتنة في الأرض وفساداً كبيراً، ?الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا? هؤلاء المهاجرون الآخرون بعد المهاجرين الأولين فلا تكرار في الأولى، ?وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا? أعاد ذكر الأنصار تأكيداً، ?أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا?[الأنفال:74] فأفاد بقوله: ?حَقًّا? الإيمان الشرعي، والمؤمنون غير حقِّ: هو الإيمان اللغوي، والحقُّ نقيضه الباطل، والباطل غير دين.(1/746)